دبلوماسية
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -
أشير إلى أن كثيراً من سفراء العالم يكتبون مذكراتهم بعد أن يحالوا للتقاعد. وفي العالم العربي يتحفظ كثير منهم أن ينشر هذه المذكرات حفاظاً على مصالحه الخاصة أو مصالح أولاده إذا مات، فالمزاج السلطوي في الحُكْم العضوض يحقد على الأموات أبشع مما يكون الحقد على الأحياء، والدليل على ذلك التنكيل بالإمام زيد بن علي (عليه السلام) بإخراج جثته من قبره وإحراقها، ومن يقرأ «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني يجد العجب العجاب، وقيل إن الأستاذ النعمان وصّى بنيه بألا ينشروا مذكراته إلا بعد موته.
قبل أيام انتهيت من قراءة كتاب «مذكرات دبلوماسي عراقي عن اليمن 1962-1964» للسفير العراقي إبراهيم الولي، صادر عن منظمة الصحفيين العالمين، دائرة التوجيه المعنوي، مركز المعلومات 2005.
سجل السفير انطباعات تاريخية واقعية عن اليمن قبل ثورة أيلول/ سبتمبر 1962، وهي انطباعات بإجمال وضع اليمن قبل أيلول/ سبتمبر ثم اليمن بعد الثورة. ولست بموقع تلخيص الكتاب، وإنما سجلت بعض محطات استرعت وتسترعي انتباه المواطن اليمني، ومنها:
•  الحساسية الشديدة بين العراق ومصر، إلى درجة أن يتأخر اعتراف العراق بالجمهورية الوليدة في اليمن، التي كانت في موقف محرج يستدعي المساعدة والدعم. وأحسب أن العلاقة بين مصر والعراق عانت مما يمكن أن يطلق عليه «الصراع على المركز»، والذي ظهر جلياً بعد زيارة السادات للكيان الصهيوني، وخطابه أمام «الكنيسيت»، وهو البيان الذي أعلن فيه السادات إنهاء الحرب بين مصر و»إسرائيل»، وتسبب ذلك في إثارة الصراع على المركز، فتشتتت الجامعة العربية في أكثر من قطر عربي، وكان أبرز من ظهر في هذا الصراع فهد السعودية وصدام العراق، ولكل منهما تابعوه!
•  سيادة القرار المصري على القرار اليمني، وتدخل السفير المصري في صنعاء، ممثلا في شخص محمد عبدالواحد، إلى درجة سأل عنها ثوار سبتمبر ووجهاؤها: هل جاء المصريون ليساندونا أو ليحكمونا؟! وعندما أجمع زعماء اليمن على الذهاب لمقابلة جمال عبدالناصر، أو ظنوا أنه لا تصل إليه حالة اليمن لأن ملف اليمن في عهدة السادات وعامر، إذا بهم يُطردون من مكتب وزير الخزينة شمس بدران ويذهبون إلى السجن جميعاً، ما عدا القاضيين الإرياني وصبرة المحكومين بالإقامة الجبرية!
•  الصراع الذي كان بين اليمنيين لعل سببه سوء فهم حول الثورة وحليفها.
•  جمال أسلوب صياغة السفير وفهمه لطبيعة العمل الدبلوماسي، مما يؤهل هذا الكتاب أن يكون مقرراً لسنة أولى دبلوماسية.

تُعرف الدبلوماسية في معناها البسيط بأنها فن التعامل مع الدول. ويدخل في هذا الإطار كل ما يتعلق بالاقتصاد والثقافة والحرب والسلام والجاسوسية... وعلى سبيل المثال: إن نحن وقفنا على مراسلات السفارة الإماراتية في صنعاء مع الخارجية الإماراتية، وخاصة تلك التي كشفتها قناة «الهوية» الوطنية، لأدركنا أن العمل الجاسوسي يشكل ركيزة العمل الدبلوماسي بين الدول. وما يلاحظه المرء في الحرب الروسية - الأوكرانية أن مئات من موظفي السفارات يزيدون في أعدادهم عن الحاجة التي تشكل المنافع المتبادلة بين هذه السفارات التي هي مع أو ضد، ليتأكد لنا أن السفارات في العالم إن هي إلا مراكز استخبارية ترصد الأوضاع الداخلية للبلدان لتحقيق مصالح خاصة، وأن إنجاز المنافع أو المصالح المشتركة ليس إلا مبرراً للأداء الجاسوسي أو مصطلح دبلوماسي للتجسس. وإذا كانت هذه الحقيقة تتضح من مذكرات السفراء، فإن من البداهة أن نشير إلى أن سفارات العالم العربي -على وجه التحديد- إنما وُضعت لخدمة الحكام الذين لا أكذب ولا أهول منكراً من القول وزوراً، إن قلت إنهم لصوص وسرّاق وقتلة وسفلة وجهلة، يختارون السفراء وبقية السلك الدبلوماسي من قائمين بالأعمال ووزراء مفوضين وسكرتاريين وفق مقاسات معينة خاصة، وبقدر ما يكون هذا السفير الخبير المخبر ماهراً تمدد له فترة العمل. ولا أريد أن أذهب بعيداً في القول إلى أن بعض الوسائط الإعلامية المعارضة تحكي قصصاً مثيرة عن أن بعض السفراء موظفون لدى بعض الزعماء يشتغلون في تجارة مخدرات لدى بعض الحكام العرب مستغلين حصانة الحقيبة الدبلوماسية لهذا الغرض.
ونضيف معلومة هي أن بعض السفراء الشرفاء يكادون لا يعلمون ما يفعله الأدنى منصباً في سفاراتهم، لأن القائم بالأعمال أو الوزير المفوض أو السكرتير الأول بالسفارة قد يصادر السفير بحكم قرابته لوزير الخارجية أو موقعه القريب من المسؤول الأول في الدولة.
ومعلومة أخرى وهي أن بعض السفراء قليلو الخبرة في العمل الدبلوماسي. ويروى عن السيدة الراحلة أم كلثوم أنها إذا أصابتها وعكة برد ولا تستطيع الكلام، كانت تعتذر فتقول: «أنا عاملة اليوم كبس»، إشارة إلى السيد محمد الكبسي، سفير الإمام أحمد حميد الدين في القاهرة، والذي كان ينفذ توجيه جلالته بعدم الخوض في الحديث لكي لا يسجل على اليمن أي موقف!!
وللتفصيل أكثر، يرجع القارئ الكريم إلى المرجع البديع «رياح التغيير في اليمن» لمؤلفه الهمام الناقد الأديب المرحوم أحمد بن محمد الشامي، نزيل مدينة «بروملي» وزير وسفير سابق.

أترك تعليقاً

التعليقات