فضول تعزي
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -

جاء الإسلام ثورة تغيير شامل للحياة برمتها, سياسية واجتماعية واقتصادية وعقيدة وسلوكاً وعادات وتقاليد وتصور مستقبل أمة. وبحكم سلطان العادة فقد حاول هذا السلطان مغالبة هذا الدين الجديد تارة بالمجادلة وأخرى بالإرهاب إلى درجة إنهم بعد فشلهم بالتنكيل بالنبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه والمبالغة في إيذائه حتى أنهم ليضعون الشوك في طريقه وسلا الجزور على عاتقه أثناء سجوده، ومحاولة إغرائه بملك باذخ لم تعهده العرب، ثم لم يستطيعوا إغراءه وإغواءه، فبيتوا لقتله، فكان أن أذن الله له بالهجرة من دار الشرك إلى أخواله بني النجار اليمنيين الذين ظاهروا معه وأعانوه ومنعوه مما يمنعون نساءهم وأطفالهم وأهليهم.
غير أن الدين الجديد لم يقف عند الجهاد في سبيل الله بحد السنان، ولكنه ظل أشد ما تكون الحاجة إلى سلاح الكلمة سبباً مهما وخطيراً من أسباب وأسلوباً عريضاً من أساليب التغيير والتعديل والتبشير بهذا الدين القيم الجديد، فكان اختيار فن الشعر الذي هو ديوان العرب له صدى في نفوسهم وأثر في توجيههم، بحسب تعبير عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبينما لم تجمد دعوة الشرك الذي صار لأمد طويل دين الآباء والأجداد ومصدراً للعادات والتقاليد، يحرض على المسلمين الفارين بدينهم إلى المدينة المنورة، ويظاهر على إطفاء نور الله، فإن ثورة مضادة عملت على جبهتين، كانت الجبهة الأولى تدفع عن دين الله كل أراجيف باطل قريش ومن ظاهرهم من العرب والجبهة الثانية تبشر بالإسلام وتعلي من قيمه وتعاليمه وكان النبي الكريم بذوقه الرفيع وحسه المرهف يلتمس من "يرود" ليكون قائد هاتين الجبهتين، فكان استحق هذه الريادة طليعة من طلائع الفن الشعري في المجال العربي، هم حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة وكعب بن مالك. ولئن كان لكل ثورة رجالها المقاتلون، فإن رجالاً مقاتلين بالقلم والسيف معاً ينتصرون للثورة ويوجهون الرأي العام إلى المسار بالاتجاه إلى الغاية أو الغايات المنشودة بكل ثبات، بل إن هذا الدور لم يقف عند هذه الناحية وحسب، بل يقوم بدور التسديد والتبصير، تسديد الثغرات وتبصير السائرين والثائرين بخريطة الرؤية للأمام.
لقد قيض الله لثورة المسيرة القرآنية شباباً وجيلاً ذا حس مرهف ورقة وطنية غيوراً يضرب بهم المثل في التغيير والتثوير، ويأتي في الطليعة صلاح سيف الدكاك ومحمد المنصور رحمه الله وحمود محمد شرف الدين، أما الأول صلاح الدكاك فيتميز بإبداعه المتفرد، فهو يجعل من الكلمة استيثار مستقبل يهدف إلى تحقيق أغلى أمنية يطمح ويطمع في إنجازها كل يمني، بمن فيهم عملاء اللجنة الخاصة أولئك الذين أعمى الله أبصارهم فهم لا يريدون لليمن هذا المجد الشامخ والحضارة السامقة إلا أن تكون إصطبلا لحمير بني سعود وقناً لدواجن "سكسي زايد".
ومن خلال رؤية نقدية فنية فإن الناقد الأدبي يقدم لنا السبب في تأثير كتابة صلاح الدكاك، وهو أنه يقوم باستدعاء التراث بشقيه العربي والإسلامي من ناحية الفكرة والمضمون، أما من حيث الأسلوب الصياغي فإنه يستدعي فن الصياغة الشعرية فيتداخل الجنسان: جنس الشعر وجنس النثر، ليصبح للكلمة "رنة" موسيقية وينبجس للعبارة هديل موسيقي لا يخفى على السامع، ويلعب فن البديع من تقابل وجناس وتضمين وطباق وتورية، دوراً مهما في إعطاء الكلمة بعداً مؤثراً.. وتمثل صحيفة "لا" منبراً رائعاً وطريفاً في الصحافة اليمنية المعاصرة، فكل سطر من سطور عنواناتها موضوع ومقالة، وصلاح مثل رفيقه المبدع محمد المنصور الذي خطا بالثورة خطوة إلى الأمام كصلاح طار بـ"لا"، فكلاهما شاعر ثائر. أمام حمود شرف الدين فهو شاعر يحرض المؤمنين على القتال، وقد تكون النبرة صائبة مليحة تمثلها عبارة "حي على خير الرجال"، وأحسب هذه العبارة حقا من حقوق المؤلف، وهو تلميذي الذي كان ولايزال الحريص كما أعهده قابلاً للتوجيه وحاشداً للجهود المثمرة من خلال إحدى إذاعات الثورة المباركة.
إننا بأمس الحاجة إلى تحشيد الثورة المباركة، فكلما حشدنا ونحشد الأبطال لانتصارهم على الأنظمة الاستعمارية الباغية، فإننا بأمس الحاجة لمظاهرة المبدعين من رواد الكلمة الذين يحتاجون الرعاية "البصيرة" والتأييد المعنوي الداعم لإبداعاتهم والذب عنهم أعداء النجاح المشوهين والمثبطين، ولصلاح: اهجم ومعك روح القدس، وللقيادة: المتربصون بالناجحين المبدعين هم المتربصون بالمجاهدين الصادقين. والله والمسيرة القرآنية من وراء القصد.

أترك تعليقاً

التعليقات