رجعية
 

محمد التعزي

محمد التعزي / لا ميديا -
ثلاثة أجيال مضت على فكرة احتدام الصراع بين مصطلحين اثنين: «يمين» و»يسار»، أو: «رجعية» و»تقدمية»، وهما بلا شك عند هذه الأجيال الثلاثة مصطلحان غائمان، كباقي مصطلحات العلوم الإنسانية التي هي مصطلحات مقاربة ليس إلا!
في الوطن العربي مثّل اليمن شخوصٌ ركزهم الاستعمار الأجنبي المحتل، فهم وكلاء حصريون لهذا الاحتلال والاستعمار، وهم حكام الإمارات الصحراوية: بني سعود وعيال نهيان وآل الصباح وآل خليفة. وتميز بنو سعود باستعمار واحتلال غير مباشر رسخه وكتب أبرز سطوره الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود على متن الطراد البحري «كونسي» في البحيرة المرة عام 1945 مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، وقيل حينها إن اتفاقاً سرياً جرى بين الملك والرئيس على أن تقوم أمريكا بحماية المملكة السعودية مقابل أن تتولى أمريكا استخراج الثروات المعدنية من باطن أرض نجد والحجاز، وأشهر العلاقات في هذا المجال هي علاقة السعودية بشركة «أرامكو» (ARAMCO).
أما علاقة الاستعمار المباشر بدول الخليج، فحددها الاحتلال البريطاني، الذي دخل في منافسة استعمارية مع كثير من دول الشرق الأوسط والأدنى، كمصر والجزائر وليبيا والمغرب الأقصى وموريتانيا.
كان الاستعمار وما يزال يطمع في ثروات الدول العربية، وليس آخرها اليمن، وانبرت قيادات وطنية في منتصف القرن الفائت لتصرخ في وجه المحتل المستعمر صرخة قوية ليترك الوطن لأهله، والذي تولى كبر هذه الصرخة الرئيس جمال عبدالناصر، الذي ينتمي حسباً ونسباً لقبيلة عربية راسخة الجذور هي قبيلة «مُرّة» اليمنية التي حلّت في صعيد مصر من زمن بعيد. ولقد رأى عبدالناصر أن يقوم بتفكيك عرى هذا الاستعمار والاحتلال في الوطن العربي، مستنهضاً الروح الجهادية الكامنة في شعور العربي المسلم. ولم يكن خطابه على منبر الجامع الأزهر أثناء العدوان الثلاثي على مصر بعد صلاة الجمعة بتاريخ 9/ 11/ 1956 إلّا دليلاً واضحاً على السيطرة الاستعمارية على ثروات الشعب العربي ونهب إمكاناته
عمل الغرب المحتل والاستعمار على إيجاد أكثر من طريقة لسرقة ونهب ثروات الأمة، فاتجه من باب العقيدة الدينية، فكان الشعار: تحرير الشرق من أعداء المسيح؛ يقوده رجال التبشير في القرن العاشر الميلادي. وقامت الإرساليات والسفارات الغربية بنشر هذا الفكر التبشيري من ناحية، والعصبيات القومية وإثارة النزاعات البينية في أرجاء الوطن العربي من ناحية أخرى. وفي مرحلة من مراحل الصراع ازدهر ما أشرنا إليه مصطلحا بثنائية «اليمين واليسار»، أو «الرجعية والتقدمية»، الأول (اليمين، أو الرجعية) مثّله: شيوخ النفط في الخليج العربي وبني سعود بخاصة، ومثل الثاني (اليسار أو التقدمية) عبدالناصر... ودار الجدل بين المصطلحين وأصحابهما، وقامت إذاعة «صوت الإسلام» من مكة المكرمة بلمز وهمز جمال عبدالناصر، وروّجت لفكرة أن جمال عبدالناصر نسخة من المانفستو الشيوعي، الذي مصدره إنجلز وماركس سنة 1948، واستند المدعون على الميثاق الذي أصدره جمال عبدالناصر سنة 1952، والذي دعا إلى ما مثله قانون الإصلاح الزراعي الذي تضمن مشاركة الفلاحين في الأرض وصادر أسلوب الإقطاع، كما استند الداعون لهزيمة جمال على فكرة مفادها أن اشتراكية عبدالناصر هي نسخة من اشتراكية موسكو الشيوعية...
وبالمناسبة فإن جدلاً قد ثار بين المثقفين المصريين على وجه الخصوص، فبينما قاد بعض المفكرين اتجاهاً يذهب إلى أن التقدمية تعني التمسك بالفكر الماركسي، وعلى رأس هذا الاتجاه محمود أمين العالم وخالد محيي الدين عضو مجلس قيادة ثورة 52م وسلامة موسى، واتجاه آخر مثّله عصمت سيف الدولة الذي نشر كتاباً يدعو إلى اشتراكية عربية (انظر كتابه «نظرية الثورة العربية»، دار المسيرة، بيروت، 1979)، وتتلخص فكرة الكتاب في أن للإنجليز وللألمان وللفرنسيين اشتراكيتهم الخاصة، فينبغي أن يكون للعرب اشتراكيتهم الخاصة... إذن كان لقانون الإصلاح الزراعي دعم للفكر الرجعي الذي فتح باب الغضب ضد جمال عبدالناصر، واستطاع السعوديون استنهاض بعض الزعامات العربية للتحريض ضد عبدالناصر، كالإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، إمام اليمن، الذي صاغ أرجوزة شعرية ضد عبدالناصر واشتراكيته مطلعها:
قصيدة تهدى إلى كل العرب!

أترك تعليقاً

التعليقات