مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
إنّ مناهج السّيرة النّفسية المتداولة للقادة، تلك التي تقيس الرّجل بعديد جنوده واتّساع قصوره ومديد نفوذه، لتتهاوى عاجزةً أمام ظاهرةٍ تجاوزت المقياس، وتعالت على المألوف، وخرجت عن كلّ حسابات السّياسة.
فلكلّ قائدٍ سرّ يحيط بشخصه ويتجلّى في أدائه، وفي مثال الشّهيد قاسم سليماني نقف عند نموذجٍ فريدٍ في فنّ الشّهادة وتدبير العمل المقاوم، لا يُقْبَضُ عليه بمفتاحٍ واحدٍ، بل بمفاتيح جديدةٍ توجد في روح المقاومة وأسفارها الميدانية التي اكتتبها الدم.
لقد قرأ العالم مساره قراءةً مرتهنةً للعقل السّياسي وأنماط البروباغاندا التي استهدفت تقويض معناه الرّمزي، قراءةً ترى جنرالاً يتمدّد، ولا ترى رمزاً يؤهّل السّاحات لكي تكون على ما هي عليه.
ومن هنا؛ ندخل إلى صلب ما تقدمه مدرسة الشهيد «الحاج قاسم» وهو: أن العقيدة الحقة هي: التي لا تتخذ من الغيبيات منطلقاً لحركة حملتها، وإنما تتعامل مع الواقع المحسوس بأدواته ومنهجياته؛ ملتحمة بالناس، حاملة لمهمة إصلاح واقعهم المعاش، من خلال تقديم الخبرة على الولاء؛ لذا كانت جودة التّدبير عنوان مرحلةٍ حوّلت المستحيل إلى ممكن في مسيرة «سليماني» العملية. لذا؛ لا غرابة إن قلنا: إنه أول من علم الأمة كيفية الخروج من فقه الاستحالة إلى فقه الإمكان؛ من خلال بناء جسور للعبور من زمن الانهزامية إلى زمن النصر والغلبة، وحفر الممرّات الذّكية لمغادرة حالة التلاشي وانعدام الوزن، إلى مرحلة وجود الذات القادرة المريدة الحرة المختارة.
ما المستحيل في قاموس العقل السّياسي المرتهن؟
المستحيل أن تقارع جيشاً نظاميّاً يملك سماءً مكشوفةً وأقماراً حراريّةً وترسانةً ذكيّةً بجيشٍ شعبيٍّ يملك بندقيّةً ووصيّة شهيد. والمستحيل أن تحفظ وحدة العراق وقد مزّقته آلة التّكفير والاحتلال. والمستحيل أن تبقى دمشق وقد تكالبت عليها أمم. والمستحيل أن تبلغ صواريخ غزّة المحاصرة قلب الكيان.
العقل المرتهن أمام المستحيل يستسلم ويسمّي استسلامه واقعيّةً.
أمّا العقل الشّهادي، فلا ينكر الاستحالة، بل يعترف بها، ثمّ يحفر فيها ممرّاً ذكيّاً. الممرّ الذّكي ليس اقتحاماً مباشراً لجدار المستحيل، بل هو التّسلّل من تحته كما يُحفر النّفق، ومن فوقه كما تعبر المسيرة البدائيّة القبّة الحديديّة، ومن جوانبه كما تُبنى غرفة عملياتٍ مشتركةٍ تتجاوز الفصائليّة وتبحث عن نقاط لللقاء.
هذا هو «سليماني»: قائدٌ عسكريٌّ محنّكٌ يمتلك حدساً عسكريّاً نادراً*. الحدس النّادر لا يُدرّس في الكلّيات الحربيّة. الكلّيات تدرّس القاعدة. الحدس يرى الاستثناء. يرى الثّغرة قبل أن تظهر في صور الأقمار، ويشمّ رائحة الكمين قبل أن يُنصب، ويعلم أنّ الانسحاب في لحظةٍ هو عين التّقدّم، وأنّ الصّمت في لحظةٍ أبلغ من الصّاروخ.
وسرّ هذا الحدس أنّه رجلٌ ترابيٌّ من معابد التّهجّد وساحات الشّهادة ولكنّه بارع الخطط. ترابيّته من معابد التّهجّد تمنحه سكينة الصّابرين، وبراعته في الخطط تمنحه القدرة على تحويل السّكينة إلى خطّة، والخطّة إلى نصر. فالجنرال التّقليدي يخطّط على الخريطة، أمّا سليماني فكان يخطّط على القلب، يعلم أنّ الجنديّ إذا لم يكن واثقاً بمعنى قتاله، فلن تنفعه كلّ خرائط أعظم الخبراء. فكان تدبيره يبدأ بامتلاك آلية تدبير الوصول إلى القلوب قبل تدبير الجيوش.
لقد بنى الحاج قاسم استراتيجيته الخاصة كما يفعل حائك السّجّاد الفارسي، وهذا هو اللّغز الذي يصعب تفكيكه للوهلة الأولى.
وأخيراً؛ يعلمنا قائد القلوب: أن جودة التّدبير هي الضّامن في عقل الشّهادة. لولا جودة التّدبير لتحوّل ذوق الشّهادة إلى انتحارٍ عبثيٍّ يهدر الدّماء، ولولا ذوق الشّهادة لتحوّلت جودة التّدبير إلى براغماتيّةٍ باردةٍ بلا روح.

أترك تعليقاً

التعليقات