محمد حسين بزي

د. محمد حسين بزي / لا ميديا -
يكفي بنت جبيل شرفاً أنّها صنعت وتصنع التاريخ للأجيال، فرغم حصارها من كل الجهات فإنّها صمدت وقاتلت العدو لـ45 يوماً، وأثبتت فعلاً أنّ «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، وأنّها معجزة التاريخ الذي يؤسس لثقافة مقاومةٍ حضارية مستمرة لا تعترف بالمحتل ولا الاستسلام مهما كانت التضحيات.
بعد 45 يومًا من القتال الشرس والمنقطع النظير؛ لا تزال بنت جبيل أسطورة المدن التي تطل على التاريخ العربي من أعلى جغرافيا الصمود والاستبسال في التصدي للمحتل الغاشم بما تحمله من إرث ثقافي وأدبي وعلمي وسياسي وأخلاقي وديني، حيث كانت ولا زالت حاضرة جبل عامل، وعاصمة المقاومة والتحرير.
وبعد 45 يومًا من القتال لم تستطع 5 فرق من الجيش (حوالي 15 ألف جندي) مدجّجة بأحدث الأسلحة والتطوّر التكنولوجي براً وجواً السيطرة على المدينة الصغيرة جارة فلسطين المحتلة التي بقيت تطلّ على سعسع رغم أنف الغزاة.
واليوم، من يستمع إلى الكوابيس في تصريحات قادة العدو يحسب أنّ بنت جبيل دولة عظمى أو مدينة كبيرة ذات أبراج شاهقة؛ وعلى بعد عشرات الكيلومترات من الحدود...! أمّا في الواقع فإنّ عظمة بنت جبيل أنّها مدينة صغيرة ذات عمران ريفي تطل على فلسطين المحتلة من مرمى حجر (3:5 كيلومتر)، لكنّها سطّرت ملحمة تاريخية ثالثة في الصمود والتصدي بعد ملحمة 2006 و2024 ممّا زاد من عقدة العدو النفسية والاستراتيجية التي اسمها «عقدة بنت جبيل».
لكن، في الوقت نفسه، فإنّ «معركة بنت جبيل» فضحت نفوس منْ كانوا يسمّون بالنُخَب السياسية والفكرية والأدبية اللبنانية، خاصة الذين كانوا من أعمدة اليسار والفكر القومي والتحرّري لسنوات مضت، قبل أنْ يؤجِّروا فكرهم وأقلامهم للعدو أو للمتعاونين معه تحت عناوين وأعذار شتى، ومن شديد أسف؛ أنّ بعضهم ينتسب إلى بنت جبيل بالهوية اللبنانية؛ غير الوطنية، لكن غاب عنه أنّ تاريخ الأحرار لا يؤرقه ليل العبيد، وأنّ الخلود للحقيقة، وأنّ أغلى وأعلى منسوب للحقيقة هو المكتوب بالدم.
ختاماً، مهما كانت نتائج هذه المعركة؛ يكفي بنت جبيل شرفاً أنّها صنعت وتصنع التاريخ للأجيال، وأنّه رغم حصارها من كل الجهات فإنّها صمدت وقاتلت العدو لـ45 يوماً (حتى يوم 15 نيسان/ أبريل 2026)، بينما استطاع العدو سحق 7 جيوش عربية في 6 أيام، وهنا، فعلاً أثبتت بنت جبيل أنّ «إسرائيل» أوهن من بيت العنكبوت، وأنّها معجزة التاريخ الذي يؤسس لثقافة مقاومةٍ حضارية مستمرة لا تعترف بالمحتل ولا تستسلم مهما غلت التضحيات.

 شاعر وروائي وأكاديمي لبناني، مواليد بنت جبيل، جنوب لبنان.

أترك تعليقاً

التعليقات

أبو بدر
  • الثلاثاء , 21 أبـريـل , 2026 الساعة 2:47:08 PM

نجح المقال في تقديم قراءة واضحة للحظة معقدة تداخل فيها الميدان مع السياسة، وربط بشكل مقنع بين ما جرى في الجنوب اللبناني وبين مسار التفاوض الأوسع، حيث ظهرت الهدنة كنتاج مباشر للضغط وليس كقرار منفصل، وكان من أبرز نقاط قوته أنه أظهر كيف يمكن للرمزية أن تلعب دوراً حاسماً في الصراع، خاصة في حديثه عن بنت جبيل باعتبارها أكثر من مجرد موقع عسكري، بل رمز نفسي وسياسي مؤثر، كما نجح في نقل فكرة أن الحروب اليوم لا تُدار فقط بالسلاح وإنما أيضاً بالصورة والمعنى، ومع ذلك كان يمكن أن يصبح الطرح أقوى لو أضاف نظرة لما يجري داخل الكيان من ضغوط سياسية وأمنية تؤثر على قرار التهدئة، لأن مثل هذه القرارات لا ترتبط بالميدان فقط، بل أيضاً بقدرة الداخل على التحمل، كما أن إدخال بعض المؤشرات الواقعية مثل حجم الخسائر أو مستوى الاستنزاف كان سيعطي التحليل قوة أكبر ويجعله أكثر إقناعاً، ورغم ذلك ظل المقال متماسكاً في فكرته وواضحاً في طرحه، وقدّم قراءة مباشرة تربط بين تغير الكلفة في الميدان وبين القبول بالهدنة، ونجح في إيصال فكرته للقارئ بأسلوب سلس دون تعقيد، مع إمكانية تطويره ليكون أكثر شمولاً وعمقاً إذا تم توسيع زاوية النظر ودعمها ببعض المعطيات الواقعية.