البحث التاريخي: قناعُ الحياد الزائف
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
منذ اللحظة التي حاول فيها العقل الإنساني أن يقيم للتاريخ مكانة بين العلوم، وهو يصطدم بإشكالية جوهرية: كيف لمعرفةٍ موضوعها زمن منقضٍ لا عودة إليه، وأداتها ذات بشرية متحيزة، ومنهجها سرد قابل للتأويل، أن تدّعي العلمية؟!
إن هذه الإشكالية لا تنفصل عن ثلاثية مؤسسة ومتوترة في آن: المادة التاريخية بما هي موضوع مقاوم، والذات المؤرخة بما هي وعي مشروط، والمنهج بما هو جسر هش بينهما. وكل محاولة لتجاوز هذه الثلاثية تكشف من جديد عن حدود ادعاء الموضوعية المطلقة، وعن استحالة الفصل بين الفهم وبين موقع الفاهم. ولكي نعطي صورة تقريبية عن هذه الثلاثية ننطلق أولاً من كشف أن:
* أولاً: المادة التاريخية تظل تقبع في نقطة بين استعصاء الكلية وخداع الجزئية
المادة التاريخية ليست ركاماً من الوقائع الميتة التي يمكن فرزها وعدّها. إنها نسيج حيّ مركب من الأفعال الظاهرة والنيات الخفية، من الانتصارات المعلنة والهزائم المسكوت عنها، من ضجيج السلطة وصمت العامة.
وقد أدرك الفكر النقدي أن الإمساك بجزئية الحدث لا يقل عسراً عن إدراك كليته. وهنا يبرز السؤال الأنطولوجي: هل الكلية التاريخية معطى قائم في صلب الواقع، ينتظر من يكشفه؟ أم هي بناء ذهني ينجزه المؤرخ عبر فعل الانتقاء والتركيب؟
إن كل سرد تاريخي هو بالضرورة اختيار. والاختيار ليس انحرافاً منهجياً، بل هو الشرط الأول لإنتاج الدلالة. فالمؤرخ لا ينقل الماضي، بل يعيد إنشاءه؛ يعيد إنشاءه على أنقاض أسئلته الراهنة، وفي ضوء إشكالات حاضره. ومن ثم يتحول التاريخ من «ما كان» إلى «ما تم اختياره للرواية مما كان». وبهذا المعنى تظل المادة التاريخية مادة متمنعة، لا تستسلم للاستيعاب الكامل، وتظل مفتوحة على قراءات متجددة.
* ثانياً: الذات المؤرخة بين وهم الحياد وحتمية التحيز
لا يدخل المؤرخ إلى ساحة البحث صفحة بيضاء. إنه يدخلها محملاً بتراكم معرفي ونفسي وأيديولوجي يشكل عدسته التي يرى من خلالها الماضي. فطلب الحياد المطلق من المؤرخ هو طلب مستحيل، لأنه يعني إلغاء شرط الذاتية الذي يجعل الفهم ممكناً أصلاً.
لقد تبين أن المؤرخ كثيراً ما يؤدي وظيفة أيديولوجية. فهو لا يكتفي بكشف الواقع، بل يسعى إلى تبريره وشرعنته، فيتحول التاريخ من سجل للوقائع إلى خطاب مؤسس للهوية والسلطة.
وفي هذا السياق يبرز دور «المخيال» بوصفه الوسيط الضروري بين جثة الوثيقة وروح الحدث. فبدون المخيال تتحول الوقائع إلى تواريخ باردة وأرقام بلا معنى. لكن الاعتراف بدور المخيال يفتح الباب أمام خطر «التاريخ التخيلي» الذي يخضع لذوق المؤرخ ورغبته بدل الخضوع لمعايير النقد والبرهان.
وعليه، فإن الإشكالية لا تكمن في إنكار دور الذات، بل في تأطير هذا الدور نقدياً ومنهجياً، بحيث يصبح التحيز معلناً لا متخفياً.
* ثالثاً: المنهج بين طموح العلمية وحدود التطبيق
حاولت الفلسفة الحديثة، منذ كانط إلى هيغل، أن تؤسس لدراسة التاريخ على أساس علمي قائم على المصداقية والعقلانية. فقسم هيغل التاريخ إلى أصيل واعتباري وفلسفي، وجعل منه مسرحاً لتجلي الروح المطلق. لكن هذه المحاولة انتهت إلى تأسيس جبر تاريخي جديد أقصى حرية الإنسان ومسؤوليته.
ومع تطور مناهج البحث في القرنين التاسع عشر والعشرين، من مدرسة الوثائق إلى مدرسة الحوليات إلى المناهج الكمية والاجتماعية، انتقلنا من الحديث عن «كيفية التأريخ» إلى محاولة تأسيس «علم التاريخ». لكن هذه النقلة لم تمس جوهر الإشكالية. فهيرودوت قرأ الماضي بعقلية يونانية، وابن خلدون قرأه بعقلية بدوية متحضرة، وتوينبي قرأه بعقلية ما بعد الحربين... اختلفت الأدوات، وظلت الذات أسيرة زمانها ومكانها. وقد قيل بحق إن «التاريخ علم خطير»، لأنه يمنحنا وهم امتلاك الماضي، بينما هو في الحقيقة يعيد تشكيل وعينا بالحاضر.
من هنا، يتضح أن أزمة «علمية التاريخ» ليست أزمة نقص في المناهج بقدر ما هي أزمة متأصلة في طبيعة الموضوع الإنساني. فالتاريخ لا يخضع لقوانين حتمية كما في العلوم الطبيعية، وإنما يخضع لشبكة معقدة من الدوافع الإنسانية: الشهوة والخوف والحب والصراع...
ولذلك فإن الخروج من هذه الأزمة لا يبدأ بادعاء الموضوعية المطلقة، بل بالاعتراف الصريح: «أنا متحيز»، «أنا أقرأ الماضي من شرفة حاضري»، «وأنا أختار من الوقائع ما يجيب على أسئلتي»...
وحين نسقط قناع الحياد الزائف، نبدأ في إنتاج تاريخ أكثر صدقاً؛ ليس لأنه أكثر علمية بالمعنى الوضعي، بل لأنه أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على استيعاب تعقيد التجربة البشرية.
فالتاريخ في نهاية المطاف ليس علماً عن الأموات. التاريخ محاكمة يقيمها الأحياء لأنفسهم من خلال ماضيهم.

أترك تعليقاً

التعليقات