إنسان وادي السيليكون
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
أخطر ما توطنك عليه عوالم الكوكب أو الفضاء الرقمي هو: القابلية للاستلاب. كان في ما مضى لا يستطيع أحد أن يحتل أرضك، أو يستغل جهدك وينهب ثرواتك ثم تقابله بالرضا؛ إذ مهما كنت ضعيفا ستشعر بالغبن، بالقهر. كان ما يسلب منك مرئياً، ملموساً، قابلاً للتسمية، وبالتالي قابلاً للثورة عليه. كنت تقول: هذا الوطن والمال والتاريخ لي، سُرق مني.
في المنصة، أنت لا تُسلب عن وطن خارجك، بل تُقصى عن شيء داخلك، عن حميميتك مشاعرك ذاتك المطلقة: عن سلوكك نفسه، عن ذاكرتك، عن قدرتك على توقع نفسك، عن إرادتك، عن مستقبلك، عن حبك، عن حدادك، عن صلاتك وكل ما يتصل ببنيتك روحاً وفكراً وسلوكا.
كيف يحدث هذا السلب؟
النظام يعرف أنك ستنفصل عن شريكك قبل أن تعرف أنت، لأنه قاس برودك في الرد، تأخرك، صورك، بحثك الليلي. يعرف أنك مكتئب قبل أن تعترف أنت، لأنه قاس تغير نبرة صوتك وسرعة تمريرك وتوقفك عند صور حزينة. يعرف أنك ستُنجبين قبل أن تعرفي أنت، من مشترياتك وتغير مزاجك. يعرف أنك ستغضب قبل أن تغضب، أنك ستخاف قبل أن تخاف، أنك ستصلي قبل أن تصلي، أنك ستشك قبل أن تشك.
ذاتك -هذه الحميمية التي كانت، منذ فجر البشرية، ملكك وحدك، سرك، ملاذك، حريتك الداخلية- تُنتزع منك كمادة خام، تُدخل في مصنع التنبؤ، تُكرر، تُصنع كمنتج تنبؤي، وتعود إليك كقدر خارجي، كسلعة، كترشيح بريء، كإشعار لطيف: «قد يعجبك هذا»، «أشخاص قد تعرفهم»، «تذكر هذا اليوم قبل 5 سنوات»، «أنت حزين، اسمع هذه الأغنية، اشتر هذا المنتج».
أنت لم تعد فاعلاً ينتج ذاته ويكتب سيرته، بل منفعل بما انتُزع منك. لم تعد ذاتك ملكك، بل صارت ملكاً لمن يملك وسائل إنتاج التنبؤ بها. لم تعد تعرف نفسك إلا عبر ما يقوله عنك النظام الرقمي.
هذا هو الاستلاب في تعريفه الدقيق: أن تُسلب منك القدرة على أن تكون مؤلف سيرتك، فتصير قارئاً لسيرة كتبها عنك غيرك ويبيعها لك ويبيعك لها، وأنت تصفق. ثم يتم سلبك حتى المستقبل: سلب الحق في عدم التنبؤ والحق في المفاجأة والحق في العتمة.
أخطر ما في هذا الاستلاب أنه ليس متوقفا على نفيك عن ماضيك فقط -ذاكرتك التي صارت سحابة- بل عن مستقبلك.
في الرأسمالية الصناعية، كان المستقبل مفتوحاً. كنت فقيراً لكنك قد تصير غنياً، كنت عاملاً لكنك قد تصير ثائراً، كنت جاهلاً لكنك قد تصير عالماً. المستقبل كان مجال حرية، مجال احتمال، مجال ثورة.
في رأسمالية المراقبة، المستقبل صار مجال تنبؤ وبيع وإغلاق. مستقبلك لم يعد احتمالاً وجودياً، بل صار سلعة تُباع في أسواق السلوك المستقبلية قبل أن يحدث. حين يُباع مستقبلك كتنبؤ -هذا الشخص سينفصل، سيمرض، سيصوت، سينتحر بنسبة 73% - يُغلق المستقبل. حين يتنبأ النظام أنك ستفشل، يدفعك بخوارزمية خفية، بإشعار، بواجهة، بصورة، لتفشل ليتحقق تنبؤه ويربح هو ويثبت أنه يعلم الغيب.
سُلب منك الحق في المفاجأة، الحق في العتمة، الحق في أن تكون غير محسوب، الحق في أن تخطئ توقع النظام، الحق في أن تكون غير متوقع، الحق في أن تكون حراً حقاً.
وهذا هو سلب الإرادة الحرة في أرقى صوره وأكثرها خبثاً: ليس بمنعك من الفعل بالقوة، بل بصناعة فعلك قبل أن تفعله، وجعلك تظن أنك اخترته.
هذا الاستلاب ليس فكرياً مجرداً، بل جسدي ولغوي وعلائقي وروحي.
جسدك يتم استيطانه: نومك يُقاس، دقات قلبك تُباع، سلوكك يُتبع عبر تطبيق، مشيتك تُحلل، وجهك يُمسح، بصمة صوتك تُباع، تعرقك يُقاس.
لغتك يتم سلبها منك: كلماتك تُحول إلى بيانات تدريب، لهجتك تُحول إلى نمط استهداف، صمتك يُحول إلى إشارة توقف، ضحكتك تُحول إلى مؤشر تفاعل، بكاؤك يُحول إلى فرصة بيع.
علاقاتك تُسلب: حبك يصير إعجاباً قابلاً للقياس، صداقتك متابعة قابلة للبيع، أمومتك سلوك شرائي قابل للاستهداف، أبوّتك وقت بقاء، حدادك مدة توقف قابلة للاستثمار، صلاتك ذروة استخدام يوم الجمعة.
روحك تسلب: قلقك يُباع، إيمانك يُصنف، شكك يُتبع، حلمك يُحلل.
أنت لا تعود كائناً حياً، بل تصير حزمة بيانات متنقلة، ملفاً قابلاً للبيع، رقماً في جدول، احتمالاً في نموذج.

أترك تعليقاً

التعليقات