الذات التعبوية في وجهين متناقضين
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
سبق أن تطرقت أكثر من مرةٍ لمجموعة من الظواهر السلبية، التي بكل أسف قد أصبحت طابعاً عاماً لمعظم أطروحات بعض الشخصيات المشتغلة بالوسط التثقيفي والتعبوي، كما أن هناك شخصيات ضمن هذا البعض استطاعت التوصل إلى النقطة التي مكنتها من نيل الشهرة الاجتماعية الواسعة، بفعل ما توفر لها من العوامل والظروف المساعدة في تحقيق ذلك، إلى جانب تحليها أول الأمر بمجموعة من السمات الخلقية والعقلانية التي كانت ميزات أساسية في كل ما تقوم بإثارة الحديث حوله من هموم وقضايا وإشكاليات، الأمر الذي جعل مجموعةً كبيرةً من الشباب ينجذبون لطرحها الفكري والثقافي، ويلتفون حولها، ويقومون بتداول محاضراتها وكتاباتها في ما بينهم، حتى نتج عن كل هذا النشاط وجود قاعدة واسعة من الجمهور المحب لتلك الشخصيات، والذي شكل وجوده بالنسبة لها مدعاةً للاستغراق الذاتي، الذي أحاط فكرها بمشاعر الزهو والعظمة، بفعل إحساسها المتنامي بامتلاك قوة الحضور القادر على التأثير في الواقع على كل المستويات، وما هي إلا بضعة أعوام حتى انقلبت على الشخصية التي صنعتها في عقول الجماهير، فتعلقوا بها وأحبوها، واضعةً شخصيةً مخالفةً تماماً للشخصية السابقة حدَ التناقض في كل شيء، وإذا ما أردنا رصد هذا التناقض الكلي بين شخصيتين عاشتا حالةً من التنازع المستمر والصراع الدائم في مساحة ذاتٍ واحدة، كي يكون النفوذ على تلك الذات من حق إحداهما، فبالإمكان أن نقوم بإلقاء نظرة سريعة على هذا الموضوع، ضمن عدة نقاط عملنا على ترتيبها كما يلي:
* لدى الشخصية المعتمدة قبل الشهرة الواسعة، والحضور الجماهيري المتعاظم سماحةٌ في الأسلوب، مع وداعة النظرة، ولين الجانب، وسعة الأفق الفكري، في كل ما تعمد لطرحه، وتسعى لتعزيز الوعي وبناء وتصحيح القناعات والأفكار من خلاله، وهي إذ تحرص على كل هذه الخصائص القيمية تمنح المتتبع لنشاطها الإجابة غير المباشرة على أن هذا كله لم يكن إلا ثمرة من ثمرات السير على بينة من الله، والاعتماد على ما هدى إليه في كتابه العزيز، أما شخصية ما بعد الشهرة، وعلو الدرجة الرفيعة رسمياً وشعبياً فسنجد الغلظة في الطباع، والفظاظة في الأسلوب، والتعامل بغلظة مع الناس، وتضمين كلماتها أبشع ما دونه أصحاب قواميس اللغة من ألفاظ السباب والشتيمة والفحش والبذاءة، مدعمةً بآخر ما توصل إليه السوقيون والمتهتكون من أقوال وخلفيات ومفاهيم، إلى جانب ضيق الأفق، وتجاهل كل الانحرافات الخاصة والعامة، وتبرير الأخطاء والسلبيات، وتجريم أي فكرة تدعو للمراجعة والإصلاح في أي مجال من المجالات، وهي بهذه الممارسات لا تعبر إلا عن الإخلاد إلى الأرض، واتباع الهوى بعد أن تنكرت لهدى الله، فلم تعد إلا كالكلب المصاب بالسعار، الذي يجعله عدوانيا تجاه كل ما يراه أو يصادفه.
* أما في الموقف لكلا الشخصيتين من الجنس البشري بشقيه: الرجال والنساء، فسنلحظ في نظرة الشخصية الأولى وجود وعي قرآني شامل، بحيث يسعى لبيان أنهما يتساويان في مستوى التكليف بحمل المسؤولية، ويتشاركان في ساحة العمل في تحقيق البناء والنهضة، ويعيشان التكامل في ما بينهما، باعتبار تنوع المواهب والقدرات والأدوار لكليهما، بينما سنجد لدى الشخصية المصابة بداء الكلب، كل ما قد قرأناه أو سمعناه أو عايشناه من طرق التعامل التي اختص بها اليهود، أو مارستها أوروبا الكنسية، أو تمثلتها الوهابية التكفيرية تجاه المرأة، التي لا قيمة لها، إلا لكونها مجرد قطعة من المتاع أو الأثاث المنزلي، ولا شيء آخر، مع تعزيز الاستهداف لكيانها من خلال فرض العزلة عليها، وتعميم التصور المغلوط لدى الناس، بأنها مصدر الخطيئة والإثارة الغريزية، ومرد شيوع الفاحشة والسقوط الأخلاقي، ولكن هيهات لهم أن ينجحوا بجر قدم الإسلام المحمدي الأصيل إلى الوقوع بشرك الوهابية، لأن القرآن يفضحهم، وقرناءه يبطلون سحرهم وكيدهم، ويحولون دون تمكن ضلالات هذه الشخصيات من السيطرة على الوعي الجمعي، حتى وإن استطاعوا التأثير هنا وهناك، فليس ذلك سوى مقدمة لإسقاطهم، وإزاحة الغشاوة عن كل عين حكموا عليها بالعمى عن الحقيقة.

أترك تعليقاً

التعليقات