متى يصبح التغييري منافقاً؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لكل حركة من حركات التغيير في عالمنا الإسلامي؛ أسس تقيم من خلالها بنيتها التنظيمية، وتتحدد بموجبها رؤيتها العامة للكون والإنسان، وليس هنالك حركة تغييرية قامت دون رموز وقادة، أو كانت تملك القيادة، ولكنها لم تكن تمتلك المنهاج الذي ينظم لها حركتها، ويضبط لها خطواتها، ويوضح لها كيفية عملها في مختلف الميادين، ويحفظ لها سلامة السير ضمن وجهة واحدة، وفق قواعد وأهداف محددة، كما ليس هنالك حركة امتلكت القيادة والمنهاج ولكنها لم تمتلك الحاضنة الشعبية، إذ إن كل الحركات لم تولد في المريخ أو أي كوكب آخر، وإنما ولدت ونشأت وترعرعت وقوي ساعدها واشتد عودها في أوساط مجتمعاتها، وبين جماهير شعوبها المعذبة، وهنا قد يقول القارئ: مادام أن كل الحركات قد امتلكت قيادة وصدرت عن منهاج، واستندت إلى وجود أمة، فلماذا فشل معظمها، ولم تنجح سوى حركات بعدد أصابع اليد؟
والجواب هو أن الفشل الذي رافق تجربة أكثر الحركات التغييرية الإسلامية في تاريخنا الحديث والمعاصر، ومن مختلف المذاهب؛ كان نتيجة عدم تحول كل ما تضمنه المنهاج من مفاهيم ورؤى ومبادئ وقيم وأفكار وأخلاقيات وعقائد إلى جزء أساسي في بنية المجتمع وكيانه، بالشكل الذي يريك المنهاج وقد صار منطلق الفكر، ومبعث الروح، وخلايا وأنسجة الذات المجتمعية كلها، وهذا الأمر ليس فكرياً فحسب، كما يقول المفكرون الحركيون، بحيث يمكن تجاوزه بطرح الأفكار السليمة، المدعمة بقوة الحجة، وصحة البرهان، وعذوبة المنطق، ولكنه أمرٌ تربوي بامتياز، ولو أن أتباع تلك الحركات تشربوا النهج والمشروع الذي قامت عليه حركاتهم، باعتباره جزءًا من الأجزاء المكونة لذواتهم، والبانية لشخصياتهم وتصوراتهم لما وقعوا في بؤرة الفشل، وجروا حركاتهم ومجتمعاتهم إلى جحيم الأخطار والمآسي، وجلبوا السوء على الواقع برمته.
إن أعظم سلاحٍ يمكنه القضاء على أي حركة تغييرية هو ذاك الذي يقوم على أساس ما يطرحه رموزها من أقوال، ثم يكونون هم أول الكافرين بها، والمتبعين لنقيضها، وما أكثر النماذج الممثلة لهذه الظاهرة في الماضي والحاضر! وبالتالي فإن المفاهيم الصحيحة تفقد قيمتها ومعناها ما لم يكن مطلقوها قد ربوا أنفسهم عليها أولاً وقبل أن يعمدوا لفرضها على سواهم، لكي يربوا أنفسهم وفقها، وليت الذين يستعرضون في مواقع التواصل ومنابر الإعلام من مسؤولينا يعون أن أي مقولة يطلقونها ثم لا يرى الناس في نشاطهم العملي شرحاً لمصداقها، ويلمسون في سلوكياتهم وتعاملاتهم طبيعة صلة تلك المقولة بذواتهم؛ علامة من علامات النفاق.
نعم، إن العامل المنتمي لأي حركة تغييرية اكتفى بأن تكون علاقته بالمنهاج الذي تحمله تلك الحركة علاقةً عقلية فقط، ولم يسعَ إلى تعزيز تلك العلاقة إلى الحد الذي يصير النهج منعكسا على نفسيته، ومتجسدا في سلوكياته وأخلاقه وأعماله؛ منافقٌ بامتياز مع مرتبة الدرك الأسفل من النار.

أترك تعليقاً

التعليقات