مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
العطّار.. رائحة الذاكرة وحنين الأسواق
في أزقّة الأسواق القديمة، حيث تمتزج رائحة القهوة بندى البهارات، يقف العطّار مثل حارس الذاكرة، يوزّع الطمأنينة كما يوزّع الأعشاب.
في دكّانه الصغير، تتجاور القوارير كأنها مكتبة من زجاج تحفظ أسرار الأجداد، وكلّ رائحة فيها فصلٌ من كتاب الحنين.
هو راوٍ للأزمان، يعرف كيف يصنع من عطر القرنفل صلاةً صغيرة في معبد الأمل.

جِرارٌ تضيء كالكواكب
حين يفتح العطّار دكّانه صباحاً، تبرق الجِرار على الرفوف مثل نجماتٍ في سماءٍ ضيقة.
زعترٌ جاء من حضن الجبال، يانسونٌ من سهول الشام، قرفةٌ عبرت البحر تحمل أنفاس الغابات...
وكلّ من يدخل محله يشعر كأنه يخطو إلى متحفٍ للمشموم من الثقافات القديمة، لا إلى دكان أعشاب مختلفة ألوانها وأصولها من بلاد الله.

حين تمزج الحواس بالحكمة
يبدأ يومه بطقسٍ يشبه التراتيل. يسكب الحبة هنا، ويرشّ اللمسة هناك، ويتمتم لنفسه كما لو كان يخاطب الأولياء: "لتكن هذه البهارات شفاءً للجسد، وبلسماً للروح"!
وكلّ من يغادر محله يحمل كيساً من عطرٍ، وجرعةً من وصيةٍ لا تُقال إلاّ بالثقة.

العطّار.. مؤرّخ الحياة اليومية
لم يكن بائعاً فحسب، بل راوٍ لقصص الناس. يعرف أن وراء كل وجعٍ عشبة، ووراء كل فرحٍ رائحة.
حين يأتيه من يشكو الحزن، يبتسم ويقول: "خذ من هذا المزيج رشفاتٍ كلّ مساء، ستنام والقلب أخفُّ من الهواء".
وحين يأتيه من يطلب دواءً للحنين، يناوله قنينةً من الورد قائلاً: "هذا ليس للشفاء، بل لإحياء الذاكرة".

زمن كانت الرائحة فيه علاجاً
في عصر الأسواق الذهبي، كان الناس يقصدون العطّار كما يقصدون الطبيب، فهو لا يصف الدواء فحسب، بل يستمع بحواس يقظة لكل همسة.
كانت جراره الصامتة تحفظ حكايات العابرين، تبتلع همومهم، وتعيدها عطوراً.
وما من جرّةٍ إلا وفيها ذاكرة صوتٍ، وضحكةٍ، ودمعةٍ جففها الزمن الحكيم.

العطّار الحديث.. نَسْغ الأصالة في زهر الحداثة
اليوم، لم يودع العطّار دنيانا، بل تجدّد بثوبٍ عصريٍّ أنيق. يبيع شاي الزهور والزيوت العطرية؛ لكن في عينيه لمحات من الحنين القديم.
زبائنه من كلّ الأجيال: كبار السن يطلبون منه رائحة الطفولة، والشباب يبحثون لديه عن أصالةٍ تضيع في زحمة المولات الحديثة...

وجه الزمن في التجاعيد
يقف أحياناً أمام مرآة المحل، يتأمّل وجهه كخارطةٍ مرّت عليها السنون. تغمره أصوات الباعة القدامى، رنين النقود النحاسية، ونداءات الصغار.
ثم يبتسم في صمت، كأنه يستعيد وجوه الذين رحلوا عبر بخار المسك والورد.
كل جرّة على الرفّ، في نظره، وصيّة من زمنٍ لا يريد أن يرحل.

تلاميذ الرائحة
الزبائن يتعلّمون منه أن الحياة مزيجٌ من الطعم واللون والصبر، وأن لكلّ رائحةٍ حكاية، ولكلّ عشبةٍ رحلة.
في دكّانه يصبح الناس لوحةً فسيفسائية تتنفّس عطر الخبرة المعتقة. تتكرّر الوجوه؛ لكن الحكايات لا تتشابه أبداً.

خاتمة:
يبقى العطّار شاعر الروائح الأصيلة، وراوي الأيام الفواحة، يجمع الماضي في قنانٍ زجاجية، ويبيع الحنين بميزانٍ من الرحمة والمحبة.
ومع كلّ زبونٍ يغادر محله، يودعه برشّة من أنفاس الزمن الجميل، تذكّره بأن في كلّ رائحةٍ عمراً كاملاً من النشوة، وفي كلّ عشبةٍ سرّاً صغيراً من أسرار الوجود.

أترك تعليقاً

التعليقات