مظاهر الفرعونية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ونحن نسلك مسلك البيان لداءٍ لطالما عمَ بلاؤه البشريةَ بأجمعها؛ على طول المسيرة الإنسانية وعرضها. وهو: نزوعُ الحكام إلى مقام التأله. وهذا المرض؛ لم يكن مقتصراً على سلطة بعينها؛ ولا ناتجاً عن عقيدة ما؛ أو اتجاه فكري لمدرسة فلسفية أو دينية يمكن النظر إليها من قبل الباحث كقضية خاصة بفئة أو طائفة كان لها حضور في حقبة زمنية ما؛ وانتهت بانتهاء تلك الحقبة؛ وصارت كحدث تاريخي مضى وانقضى؛ ولم يعد وجودها يمثل شيئاً للدارس سوى مجرد معلومة لا معنى لها في حركته في الحاضر والمستقبل.
ما أود قوله هو: إن الفرعونية لم تكن سمة مخصوصة بحضارة وادي النيل القديمة؛ بل هي الظاهرة التاريخية الجارية مجرى الليل والنهار؛ والمأساة الإنسانية الأزلية؛ والخشبة التي صُلِبت عليها جميع شرائع السماء، ومختلف رسالات الأنبياء؛ وسائر مشاريع الثورات التغييرية الإصلاحية بكل مشاربها المتعددة؛ سواء تلك التي انطلقت على أساس من الوحي؛ أو تلك التي انطلقت على ضوء فلسفة إنسانية أرساها أحد مَن عاش الحرية في دنياه. ولعل المنطلق من منطلق إلهي هو الأخطر؛ لأنه ما إن يسقط في براثن هذه النزعة؛ حتى يعلن نفسه نائبا عن الله؛ بحيث يقدم نفسه هو الذات الحصرية التي كل ما لديها ما هو إلا تأكيد لمدى محوريتها في الأرض كتجلٍ للمشيئة الإلهية؛ لذا فما تقوم به هو حق مطلق.
هنالك فقط تتجلى حاكمية الفرعون؛ أو الحاكمية الفرعونية. التي تسود على واقع المجتمعات وتتحكم بحياتهم ومصائرهم في أي مرحلة، ومن أي جماعة خرج فيها السلطان عن حده؛ وتجاوزه لكل المفاهيم والأعراف إلى الحد الذي يجعله يستولي على ما ليس له؛ ويملك حق التصرف بكل شيء ودون حساب. فلا اعتراض على حكمه، ولا راد لقضائه؛ كيف لا وقد صار يرى أنه أصل الحق؛ ومصدر المعاني الوجودية؛ والقطب الذي تدور حوله القيم والمبادئ؛ والبعد المقدس للدين؟
إنه لا يرى نفسه ملكا على عرش ما؛ بل مالكاً للأرض والرقاب؛ ووصياً على الأفكار والضمائر؛ فلا مشروعية لدين؛ ولا قدسية لقبلة؛ ما لم تتذلل بين يديه الجماهير؛ وتولي وجهها شطره؛ وتخضع صاغرة بين يديه؛ إذ الخير كل الخير هو ما يرضيه؛ والشر كل شر هو ما يسخطه؛ والعدل كل العدل لا وجود له ما لم يوافق مزاجه ويلب رغباته؛ أما الباطل كل الباطل فهو كل ما يمكن له أن يحد من طغيانه؛ أو يهدد مصالحه؛ أو يشكل خطرا على عرشه!
هناك يصير رباً من دون الرحمن؛ فهو التاريخ والعقيدة والصلاح والرسالة؛ وكل الكون بات معبداً لجلالته؛ فالناس واقعون بقبضته؛ والزمن خاضعٌ لروايته؛ والوحي خادم لتعظيم أناه؛ فقيمة الناس لا تتأتى إلا حينما يقبلون عليه كأضاحٍ وقرابين تنحر على مذبح بقاء سلطته.
هكذا هو الفرعون! وهو كل مَن أراد أن تغدو المعرفة جاريةً في خدمته، والدين تابعاً له، والخوف حارسًا لأبوابه، والذاكرة أسيرةً في سجونه، واللغة نفسها تُساق سوقاً إلى تعظيمه والثناء عليه.

أترك تعليقاً

التعليقات