ميادين حرب الطغاة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
الحفاظُ على صفاء وطهارة أي مشروع وحركة ينطلقان من منطلق إيماني، ويعملان على بناء الإنسان الحر، والمجتمع المقتدر، ويقيمان الواقع كله على العدالة والمساواة؛ ليس بالأمر السهل! فكم هناك من ثورةٍ تحررية، ونهضةٍ رسالية سطا عليها عبيد الهوى، واقتسم ثمارها تجار الدين والوطن، ونزا على منابرها البغاة؛ بعد أنْ كانت صوتاً للحق، ومراكز لتجلي نور الرسالة السماوية على العالمين.
لذلك كان الطغاة هم؛ القنبلة الذرية الأخطر من كل القنابل الذرية الموجودة بيد الاستكبار، والسلاح القادر على القضاء على الأرض والإنسان بالمستوى الذي لا يصل إليه أي سلاح عرفته البشرية! لأن الطغيان لا يكتفي بقتل الكائنات وتدمير مظاهر الطبيعة؛ بل يسعى لقتل المعنى من الحياة والوجود برمته؛ إذ لا يستقر له نظام إلا متى ما قضى على أربعة أسس لا قيمة للحياة الإنسانية إلا بها؛ وهي: الزمان، والذاكرة، والخطاب، والذات الفردية والمجتمعية جسداً وروحاً.
نعم؛ فالطغاةُ حريصون على الاستيلاء على الزمان؛ لأنهم يريدون حصر التاريخ بدايته ومنتهاه بمدار وجودهم وحركتهم؛ فلا وجود للماضي بالنسبة لهم إلا بما يرضيهم، ويلبي أهدافهم ورغباتهم، ويخدم توجهاتهم وحركتهم؛ بل حتى الحاضرُ؛ فإنه يعيد كتابته بما يتفق مع نظرته للأحداث والمتغيرات، ويؤكد صوابية قراراته وحقانية مواقفه؛ وبالتالي فهو الحاكم عليه لا العكس. وليت المسألة تقف عند ذلك؛ إذ يسعى الطغاة إلى وضع تصورات للمستقبل تلغي أي تصور آخر؛ فالمهم ليس المستقبل؛ وإنما المهم؛ أي المستقبل الذي يأذنون لك العمل لبلوغه!
ومثلما يستهدفون الزمن كتاريخ وحركة بمعناهما الكلي؛ يعملون على محو ما اختزنته الذاكرة، واحتفظ به الناس في الوعي الجمعي من فكر وثقافة وقيم ومبادئ وعادات وفنون وتجارب؛ لأنهم يدركون أن المجتمع أو الشعب إذا ظل محتفظاً بثقافته الأصيلة؛ سيعرف كل ما يقف وراء نهضته أو سقوطه؛ ويعي كل ما من شأنه أن يؤدي لنجاحه أو فشله في جميع الحقول؛ وبذلك يستطيع تمييز الحق من الباطل، ويتمكن من تحديد خياراته واتخاذ قراره بوعي منسجم مع حريته الكاملة، وإرادته القوية؛ الأمر الذي يمنع عنها استخفاف كل الفراعنة الكبار والصغار؛ من هنا؛ يعمد الطغيان إلى نسف الثقافة؛ وإعادة كتابتها وإذا ما استعصى عليه نسفها؛ قام بإغراق المجتمع بالتهريج والضجيج الذي ينتجه مطبخه؛ بحيث لا يترك أمام العقل الفردي أو الجمعي أدنى فرصة للراحة والجلوس مع الذات للتذكر مَن هم وماذا يريدون.
ومثلما يخشى الطغاة من الثقافة؛ فإنهم يخشون الخطاب أو اللغة؛ لأنّ الكلمات مفاتيح المعاني، فإذا ملك السلطانُ الألفاظَ، سمّى القهر أمناً، والذلّ طاعةً، والتصفيق إجماعاً، وخدمةَ نفسه خدمةً للوطن أو الدين أو الأمّة، فأضلّ الناس من باب البيان قبل أن يقهرهم من باب السيف. وأخيراً الوصول إلى الجسد، فلأنّه آخر ما يملكه الإنسان إذا سُلب فكره ولسانه؛ ولذلك يسوق الطاغية الناس إلى الخوف والجوع والقتل والسجن، ليجعل من أجسادهم شواهدَ على حضوره، وعلاماتٍ على قدرته.

أترك تعليقاً

التعليقات