أضغاث آلام
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
ذاتَ حُلمٍ، وأنا غارقٌ في سُباتٍ يُداني الموتَ؛ فاقدٌ الإحساسِ إلاّ من وخزِ الضميرِ، وجدتُني قد صِرتُ زعيماً لحارةٍ في بلدٍ لم تذكرْهُ الجغرافيا، ولم تُشرْ إليهِ الخرائطُ، ضمنَ قارّةٍ لم أسمعْ بها إلاّ في غياهبِ ذلك المنامِ. غيرَ أنّي كنتُ زعيمَ حارةٍ لا زعيمَ بلدٍ بأسرهِ.
ولمّا أردتُ الخروجَ من بُرجِيَ العاجيِّ، والتقرّبَ من ساكني حارتي، قصَدتُ مقهىً مشهوراً بها، يؤمُّهُ الناسُ على اختلافِ طبقاتِهم ومنازِلِهم.
فلمّا وطئتُ عتبتَهُ، قال لي أحدُ الجالسين: «مرحباً بالزعيم. تفضّل. أمّا المقاعدُ في الظلِّ فقد نفدَت، وما بقيَ إلاّ ما تضربُهُ الشمسُ على رؤوسِ الجالسين».
جلستُ. وكانتِ الشمسُ تُصلي وجهي. وحولي وجوهٌ قد أطفأها العوزُ، وأيدٍ تُحصي الدراهمَ مراراً قبلَ أن تُقدِمَ على طلبِ كوبِ شاي. وصبيةٌ بالقرب من ذاك المقهى يقفون على بوابة صيدلية؛ يحملونَ أكياسَ دواءٍ خاويةً ويسألون الصيدلي: «أموجودٌ؟» فيجيبُ صاحبُ الصيدلية: «في الغدِ إن شاءَ الله». يردون عليه بصوت واحد: «كلُ يومٍ تقول في الغدِ؛ ثم نصحو ولا يأتي غدك هذا».
سألتُ بصوتٍ عالٍ: «منِ المسؤولُ عن الماءِ؟» فضحِكوا. قال بعضُهم: «المسؤولُ ماتَ محتجباً». وقال آخر: «المسؤولُ في العُلُوِّ، حيثُ لا ينقطعُ عنهُ الضوءُ».
سألتُ: «ومن سرقَ الدواءَ؟» فصمتوا. ثم همسَ شيخٌ واهنٌ: «الذي سرقَهُ هو الذي دوّنَ القانونَ الذي يُحرِّمُ علينا السؤالَ».
حينئذٍ أدركتُ أنّي لستُ زعيماً. إنّما أنا لافتةٌ تُعلَّقُ على مدخلِ الحارةِ، كي لا يرى الزائرُ ما وراءَها من خرابٍ.
وكان دستورُنا سطراً وحيداً: المركزُ مُقدَّسٌ، والمُحيطُ منبوذٌ.
من قَرُبَ فهو دمٌ، ومن بَعُدَ فهو ماءٌ، والماءُ عندنا يُراقُ لغسل أقدامنا وأيادينا القذرة.
نهضتُ ومشيتُ في الأزقّةِ. البيوتُ مائلةٌ، والجدرانُ موسومةٌ بأسماءٍ ناقصةٍ. طفلٌ يخطُّ خارطةً على الترابِ فيمحوها رجلٌ ويقول: «هذا محظورٌ». وامرأةٌ تُجزِّئُ القرصَ الدوائيَّ إلى أربعةٍ، وأبٌ يترقّبُ راتبَهُ في منتصفِ الطريقِ فلا يصلُ إليه سوى الغبار الثوري.
وكانوا جميعاً ينظرونَ إليَّ كأنّي جزءٌ من العتمةِ، لا من الفرَجِ.
عدتُ إلى المقهى. سألني الرجلُ ذاتُهُ: «فماذا عزمتَ أيّها الزعيم؟».
قلتُ: «عزمتُ أن أُسمِّيَ الأشياءَ بأسمائِها».
قال: «ذلك محرّمٌ». 
قلتُ: «إذن عزمتُ أن أكسرَ البابَ».
قال: «البابُ بابُكَ».
قلتُ: «كلاّ. البابُ بابُهم، وأنا كنتُ الحارسَ على غفلتي».
وما إن نطقتُ بكلمةِ «كفى» حتّى تصدّعَ الجدارُ، وتساقطتِ اللافتةُ، وجفَّ الحبرُ في الصحيفةِ.
وعادَ الماءُ المحبوسُ يجري في البيوتِ كافّةً، لا يسألُ: من أيِّ شارعٍ أنتَ؟
فانتبهتُ من منامي.
غير أن هناك ضميراً لم ينتبه! فهل مات أم لا يزال نائماً؟

أترك تعليقاً

التعليقات