ولهذا بقيت تلك اللوحة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
‏كان غويا يعيش في زمن محاكم التفتيش، ذلك الزمن الذي استطاعت فيه السلطة أن تحول الخوف إلى أسلوب حياة: التهم الجاهزة والتعذيب والاعترافات القسرية جزء من الواقع اليومي. وكانت الكنيسة والدولة تملكان القدرة على التدخل حتى في أكثر زوايا الروح خصوصية. وفي مثل هذه الأزمنة، لا يعود الفنان قادراً على الاكتفاء برسم الورود والاحتفالات، إذ تصبح الكوابيس نفسها جزءاً من الحقيقة.
أما العمل الذي خلّد اسمه فهو: كل عمل وثّق فيه بشاعة حرب نابليون على إسبانيا. وأشهر لوحاته في ذلك هي تلك التي تضمنت ما جرى في «الثالث من مايو 1808» التي تصوّر إعدام جنود نابليون للمدنيين الإسبان. رسم فيها الدم والصراخ والنار. وهي المرة الأولى التي تُرسم فيها الحرب ليس على أنها مجد، بل على أنها جريمة.
في تلك اللوحة يبدو الليل في مدريد ثقيلا، وفي زاوية مهجورة خلف تلة معتمة، نصب الجنود الفرنسيون خيمة صغيرة. لا أحد يفترض أن يرى ما سيحدث هنا.
يقف المدنيون الإسبان في صف. جاؤوا بهم مكبلين من شوارع المدينة بعد انتفاضة الأمس. بعضهم كان يحمل حجراً، وبعضهم لم يفعل شيئاً سوى أنه كان إسبانياً في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ.
في المقدمة يبرز رجل. قميصه أبيض متسخ، وبنطاله أصفر. لا يبكي ولا يتوسل. يرفع ذراعيه إلى السماء. في عينيه غضب وفي جسده استسلام. في تلك اللحظة لم يعد مجرد رجل، صار رمزاً. صار كل أب، وكل ابن، وكل من سيُقتل بلا ذنب.
أمامه يقف صف من الجنود. وجوههم غارقة في الظلام. لا ترى عيونهم ولا ترى ترددهم. هم ليسوا بشراً الآن، هم بنادق مصطفة. يتلقون الأمر ويطيعون. لا أسماء لهم في هذه القصة.
وفجأة يشتعل فانوس على الأرض. ضوؤه الأصفر القاسي يمزق العتمة ويسقط بلا رحمة على وجوه الضحايا. يضيء الدم على الأرض، والرعب في العيون، واليد التي تغطي وجهها من الفزع. كأن الضوء نفسه شاهد على الجريمة ولا يستطيع أن يغمض عينيه.
يُطلق الرصاص.
يسقط الجسد الأبيض على الأرض. وتسقط معه أجساد أخرى. 
وفي الخلفية، لا شيء. لا مجد ولا موسيقى ولا خيول. فقط تلة سوداء وصمت.
بعد ساعات سينتهي كل شيء. سيُدفن الموتى في حفرة، وسيعود الجنود إلى ثكناتهم. لكن غويا كان يرى من بعيد. وبعد ست سنوات جلس ليرسم.
لم يرسم نصر نابليون. ولم يرسم بطولة الجيش.
رسم لحظة واحدة فقط: اللحظة التي يتحول فيها الإنسان إلى رقم، والرصاص إلى قانون.
ولهذا بقيت اللوحة.
لأنها لا تحكي عن 1808 في إسبانيا فقط.
إنها تحكي عن كل ليل، في كل مدينة، يُقتل فيها الأبرياء تحت ضوء فانوس.
ولهذا، تبدو أعماله حديثة حتى اليوم. فعلى الرغم من مرور أكثر من قرنين على إنجازها، ما زلنا نتعرف إلى أنفسنا فيها، ما زلنا نرى الخوف نفسه يتكرر بأشكال جديدة؛ تتغير الملابس والأسماء والحدود السياسية، بيد أن الوحوش تبقى هي ذاتها: وحوش التعصب والكراهية والعنف والجشع والسلطة المطلقة.
قال نيتشه ذات مرة إن الفن موجود لكيلا تقتلنا الحقيقة. وربما لم أجد فناناً يجسد هذه الفكرة مثل غويا؛ فهو لم ينكر قسوة العالم ولم يحاول تزيينها أو تجميلها، على العكس تماماً، لقد واجهها بكل بشاعتها، ثم صنع منها فناً لا يزال يعيش حتى اليوم.
ولهذا، لا تبدو أشباح غويا كما أراها، كائنات خرجت من عالم الموتى، إنما أشباح خرجت من عالم الأحياء، من البشر أنفسهم: من القضاة الذين يعذبون باسم العدالة، ومن الجنود الذين يقتلون باسم الوطن، ومن المتعصبين الذين يكرهون باسم الفضيلة.

أترك تعليقاً

التعليقات