مرارات من وحي النكبة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
تزامناً مع ذكرى النكبة، يقف المسلم في حيرة من أمره متسائلاً: إذا كان المسلمون فعلاً يتبعون ديناً واحداً؛ فلماذا نرى تصرفاتهم ومواقفهم تأتي بنتائج سلوكية مختلفة؟!
كثيراً ما يُنظر إلى الإسلام على أنه كيان موحد. رسمياً، يلتزم المسلمون بتعاليم واحدة؛ إلا أن التجربة على أرض الواقع تشير إلى خلاف ذلك. يتحدث الكثيرون عن الوحدة الإسلامية؛ لكن ما يراه المتابعون في الحقيقة متباين، لاسيما عند مواجهة مشاكل العالم المختلفة، والتحديات والمخاطر الكثيرة، كالاحتلال والهيمنة الصهيونية، وتزايد وتيرة التطهير العرقي والظلم والقمع...
لا يكمن الاهتمام الأساسي هنا في التعاليم الواردة في الكتب المقدسة، بل في كيفية تجلي هذه التعاليم من خلال سلوكيات ومواقف وخيارات من يدّعون تمثيل الإسلام. فإذا كان للعقيدة تأثير حقيقي على طريقة تفكير الناس وتصرفاتهم، فلا بد من وجود نمط ثابت في الاستجابة. وهذا ليس هو الحال.
تُعدّ القضية الفلسطينية المثال الأوضح والأكثر واقعيةً وإيلاماً. وقد وثّقت بيانات منظمات دولية كاليونيسف عدد الضحايا من الأطفال والمدنيين منذ العام 2023. وقد أثارت هذه اللحظة ردود أفعال متباينة من المسلمين في مختلف البلدان وعبر جميع قطاعات المجتمع؛ إلا أن هذه الردود لم تكن موحدة.
يلتزم البعض الصمت، متظاهرين بأن المشكلة الكبرى لم تحدث قط. ويكتفي آخرون بالخطابات، مندّدين بها بشدة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لكنهم يتوقفون عند هذا الحد:لا مخاطرة، ولا التزام إضافي. في المقابل، يتخذ عدد قليل من الناس إجراءات ملموسة، مخاطرين بحياتهم، حتى أنهم يفقدون وظائفهم أو أرواحهم. ثم هناك من يختارون دعم أو الدفاع عن المتورطين علناً في القمع.
هذا التباين في النتائج واضحٌ جداً بحيث لا يمكن إخفاؤه. غالباً، لتجنب النقد، تظهر رواية مفادها أن من يُعتبرون «سيئين» هم مجرد أفراد، لا يمثلون الإسلام. ولكن من يملك الحق في تحديد من هو فرد ومن هو صادق؟! في الواقع، لا يُطلق وصف «فرد» إلا عند وجود سلوك مُشين، بينما يُعد أي شيء يُعتبر إيجابياً دليلاً «صحيحاً» على الفور. هذا النوع من المعايير مُخادع، ويُعيق فهم الواقع.
إذا كان الإسلام حقاً ديناً واحداً، فلماذا تختلف ردود الفعل على القضايا الحقيقية الواضحة اختلافاً كبيراً؟! لا يتعلق الأمر بنقص المعلومات أو المعرفة الدينية؛ إذ توجد اختلافات في ردود الفعل حتى بين أكثر الجماعات صخباً. في الواقع، يدّعي جميعهم اتباع التعاليم نفسها.
في نهاية المطاف، ثبت خطأ الادعاء أن التعاليم الإسلامية تُنتج حتماً نتائج اجتماعية موحدة. ففي الواقع، لا يضمن اسم واحد ومصطلحات دينية موحدة وحدة في ردود الفعل أو الأفعال. صحيح أن الكثيرين يجدون العزاء في خطاب الوحدة، إلا أن الواقع اليومي يُظهر صورة مختلفة. فالنتائج تتفاوت بين اللامبالاة والبطولة، وبين المقاومة والتعاون مع قوى الظلم... وكل ذلك داخل مجتمعات تدّعي الإسلام.
بدلاً من البحث عن كبش فداء في مصطلح «الأفراد»، علينا ببساطة أن نُقرّ بالواقع: أن اسم الإسلام العظيم يشمل بالفعل طيفاً واسعاً من السلوكيات، منها ما هو محمود ومنها ما هو مؤسف. في نهاية المطاف، لا يُترجم الإيمان أو الهوية على الورق تلقائياً إلى أفعال ملموسة، لاسيما في المواقف التي تتطلب شجاعة حقيقية أو تحمل عواقب وخيمة.
باختصار: نحن بحاجة إلى الاعتراف بالفجوة الحقيقية بين الاسم الكبير والعظيم للإسلام، والنتائج الملموسة التي تظهر في الواقع العملي.

أترك تعليقاً

التعليقات