رئيس التحرير - صلاح الدكاك

صلاح الدكاك / لا ميديا -
ليس في تعز منذ عقود (كما في كل محافظة يمنية) غير خطاب واحد وحيد مقيت وفاشيّ، هو خطاب الخونج، وهو ذاته خطاب سلطة التبعية لخليج البترودولار، الذي تسيّد على الفضاء العام كخطاب غلبة بلا منافس ولا آخر مختلف، عقب إقصاء الحزب الاشتراكي من المشهد السياسي كشريك، واجتياح ونهب الجنوب في العام 1994م. 
الفرز الانعزالي الطائفي والمناطقي (بدعوى دينية أو عنصرية متدينة)، والذي هو هو مظلة تحالف البترودولار العسكري في حربه على اليمن، ليس فرزاً له جذور في الأدبيات القومية (الناصرية والبعثية)، ولا في فكر وأدبيات اليسار الاشتراكي على اختلاف تياراته وحركاته التي التأمت في التنظيم الموحد في اليمن وتخلق منها الحزب الاشتراكي اليمني.
فالأدبيات القومية العربية تتجاوز التناقضات الثانوية إلى مشترك أساسي قوامه الانتماء للعروبة وتطمح لوطن كبير تعداد أبنائه أكثر من مائتي مليون عربي يتوزعون على 22 دولة. 
بينما تتجاوز تيارات الاشتراكية العلمية كل التناقضات إلى فضاء أممي قوامه كل الطبقات العاملة والكادحين والمسحوقين في كل العالم، وعلى تباين قومياتهم وأديانهم وأجناسهم. 
كيف يمكن أن ينزلق المنتمون لهذه الأدبيات بتاريخها الطويل، إلى مستنقع الفرز الانعزالي بدعاواه الطائفية والمناطقية لأبناء البلد الواحد؟! سقوطاً من علياء فضاء قومي رحْب وأممي حدوده الإنسانية، دون أن يتناقضوا مع أدبياتهم وتاريخهم النضالي، ويتماهوا في خطاب مضاد وأيديولوجية نقيضة هي هي خطاب وأيديولوجية الخونج والبتروهابية، الذين تصنفهم أدبيات القوميين واليسار في خانة الرجعية وتتعاطى معهم كأدوات للاستعمار والإمبريالية!
إنهم عبدة «الرب القادم من هوليوود»، الذي كفر به الشاعر الراحل عبدالعزيز المقالح وانحاز إلى «الله الأغنية الثورة» ذات قصيدة خالدة ولا تسقط بالتقادم!
إن المجتمعات بامتداد الأرض لا تخلو من حزازات وعصبيات بينية تقوم على استهجان مكون لآخر وسخرية قرية من أخرى واستعلاء مدينة على مدينة وانتقاص عرقية لعرقية وقبيلة لقبيلة على مستوى المجتمع الواحد؛ لكن هذه الحزازات والعصبيات بتلويناتها، هي ما استهدف الإسلام المحمدي تفنيدها ودحض منطقها، لصالح رابطة إنسانية فضاؤها «الناس كافة» بناظم المساواة في الخليقة والتفاضل في ساحات قيمية مغايرة، تتعلق بـ«ما ينفع الناس». كما استهدفها الفكر الوطني والقومي برابطة تشاركية هي «الشعب والأمة»، واستهدفها اليسار الاشتراكي بتفكيك جذورها الطبقية وتذويبها في ساحات العمل والكفاح ضد الاستغلال.
إن هذه العصبيات لا تتحول إلى أيديولوجيات وعقائد إلا في سوق الاستقطاب السياسي، حيث تستميت قوى الاستغلال المحلية بيافطاتها ومنابرها لتجيير العديد البشري المستغَل كقوة لها والتمويه على علاقات الاستغلال بتغذية الاحتراب الفئوي الانعزالي بين مكونات المجتمع المستهدف. وبالنتيجة فإن قوى الاستغلال المحلية تُشرِع بوابة واسعة للمشاريع الاستعمارية وتستقوي بتبايناتها وتعمل خادمة لها.
إن أبرز وأبشع نموذج للعصبيات التي تحولت إلى أيديولوجية هي الصهيونية، التي تقوم على خرافة «أبناء الله وأحباؤه» كنص «يهودي» هو في الحقيقة غطاء وامتداد لخرافة «أفضلية الرجل الأبيض الأوروبي والدم الألماني النقي».
إن الصهيونية هي المخاض الأكثر بشاعة وتوحشاً للإمبريالية الغربية في شبقها للهيمنة على الكون وتعبيد وإبادة ونهب شعوب العالم باعتبارهم كائنات دنيا وضيعة و»ذات ذيول». وبحسب جوزيب بوريل (أمين عام الاتحاد الأوروبي السابق وربيب مغتصبة صهيونية في فلسطين المحتلة) فإن الكرة الأرضية هي «حدائق وأدغال»؛ أي: عرق متفوق أبيض «رأسمالي» يمثل «الإنسان الكامل»، وشعوب ملونة ناقصة الخليقة تمثل امتداداً لـ«الإنسان القرد» بموجب الداروينية السياسية كعقيدة استباحت بها أوروبا الاستعمارية كل شعوب وبلدان جنوب الكرة الأرضية لتسلم دفة إدارة التوحش الكوني في طور لاحق لقارة مسروقة ومبادة استوت على أنقاضها «الولايات المتحدة» ونظام أوغاد هم صفوة أبناء الإمبريالية الأوروبية. 
إن الخونج، الذين رفعوا بالأمس شعار «الإسلام في مواجهة الشيوعية» وجندوا تحته عشرات الآلاف من المسلمين العرب تحت إمرة أمريكا في أفغانستان إبان الحرب الباردة، هم من يجندون اليوم مجتمعات اليمن للمعركة ذاتها وللمشروع الأمريكي ووكيله الإقليمي كيان الاحتلال «الإسرائيلي» والرجعية السعودية، تحت شعارات انعزالية لم يعد الإسلام قاسماً مشتركاً فيها، بل «المذهب والعرق والسلالة والمنطقة...».
حدث ذلك ويحدث بامتداد اليمن. وليست تعز استثناء منه، بل ضحية أخرى توشك أن تنعتق من زنزانة الخونج إلى فضاء لا سلطة للخونج فيه، بعد عقود من استحواذهم على الفضاء العام والخاص، وعلى المصحف والكتاب المدرسي، وعلى شاشة التلفزيون والإذاعة المدرسية، وعلى منصة البرلمان ومنبر المسجد، وعلى الجامعة الحكومية والخاصة، وعلى الجيش النظامي ومليشيا الظل، وعلى المدينة والقبيلة، وعلى الحزب المعارض والحزب الحاكم والمنظمات الحقوقية والصحف والإعلام القديم والحديث... 
هل كان يصدح في كل ما سبق من منصات ومنابر سوى خطاب واحد هو خطاب إسلام البترودولار بحناجر وأدمغة الخونج؟! وهل كانت اليد الطولى سوى يد الخونج...؟!
إنهم «ثوار 1948» والأعداء الألداء لجمهورية 1962، والمتسربلون شعاراتها اليوم.
إنهم «الرسول» بالأمس و«الصحابة» اليوم، و«الحجاب الشرعي والحشمة» و«السفور والعري»... الفصل بين الذكور والإناث والاختلاط... الوحدة و«الوحدة أو الموت»، «الشرعية والانفصال»... هم باتيستا وجيفارا، وابن تيمية وابن علوان، و«ابن جبل» و«ذو يزن والأقيال» و«من لم يحكم بما أنزل لله»، و«العلمانيون» و«القاعدة وداعش وأنصار الشريعة وهيئة الأمر بالمعروف» و«هيئة الترفيه» و«الحداثيون»... إنهم سوق الاستقطاب السياسي والهيمنة بكل تلويناته التي تتباين بناظم مصلحة قوى الهيمنة، ولا تتناقض إلا في نظر مراقب سطحي تلهيه تحولات الموقع والدور عن ثبات الموقف والغاية، ويتوه بين تشعبات الروافد وتعددها عن حقيقة الوجهة والمصب!
كيف نعاقب ثلاثين مليون ضحية هم حصيلة كل هذا الاستحواذ، بينما نزعم أننا نسعى لتحريرهم؟! وإذا تحرر التراب فهل ستتحرر ذهنية السلطة الجديدة من نزوع خونجي محفوز بفرز واستحواذ يعيد إنتاج الخطاب والنهج ذاته لسبب لا يلتفت إليه الكثيرون، وهو أن علاقات الاستغلال الرأسمالي تعيد إنتاج الوجوه وتدويرها بينما لاتزال بمأمن من رؤية ثورية تستهدف تغيير بنيتها وتراتبيتها الراسخة والعريقة، بعلاقات تقوم على تكافؤ القيمة الإنسانية وتفاضل مكونات المجتمع وأفراده على محك العمل والبذل وحقول الإنتاج والابتكار والمعرفة العلمية لا تبعاً لـ اللون والمذهب والأسرة والقبيلة والأصل والنقي والمُولّد و«المُخرجي الدخيل»؟!
إن قوافل من السجناء الذين يتوقون للحرية يكسرون قضبان الزنازين ليقعوا خلف قضبان زنازين أخرى، لأنهم لا يدركون حدود السجن الذي يتوقون للانعتاق منه.
دورانية هزلية مأساوية كلفتها الأشواق والأحلام والأعمار، نأمل أن يكون جيلنا آخر ضحايا محرقتها الفاغرة على المستقبل لاحتطاب المزيد من الأجيال!

أترك تعليقاً

التعليقات