ظاهرة العوادم البشرية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يشعر نصف سائقي الدراجات النارية، في منتصف الليل أو في الصباح الباكر، بنقصٍ كبيرٍ إن لم تصدح أصوات عوادم دراجاتهم في الشوارع؛ فيُجرون تعديلات على العوادم، ويُضخّمون الصوت، ويتحوّل هدوء الليل إلى ساحة استعراض. تبدو الطرق ذات الاتجاه الواحد وكأنها حلبات سباق، وتتحوّل المنعطفات الصغيرة فجأة إلى نقاط لإثبات الوجود!
مع ذلك، إذا فكرت في الأمر ببساطة فلن تجد فائدة حقيقية. تتلف الآلات بسرعة أكبر، ويتشتت انتباه الآخرين، ويزداد خطر الحوادث، وغالباً ما يخلق المشهد مجرد ضجة. لكن كل هذا يحدث لأن هناك ما هو أهم بكثير: جذب الانتباه!
للأسف، أصبحت هذه الظاهرة منتشرة لدى الإعلاميين والساسة وبعض المثقفين، ولم تعد مقتصرة على سائقي الدراجات، وكلهم يصدر عن جهل بحثاً عن لفت انتباه الآخرين. ولا يشترط أن يكون الاهتمام على شكل مدح، بل يكفي مجرد إهانة. يستيقظ الناس، ويلتفتون بانزعاج، ويتذمرون في سرهم، ويلعنون من جانب الطريق. ردود الفعل هذه كافية لتحقيق الرضا النفسي، بمعرفة أن وجود المرء قد رسخ في وعي الآخر.
في هذا السياق، لم يعد الضجيج مجرد صوت آلات، بل أصبح إعلاناً عن الوجود. فكلما ساد الليل هدوءٌ، ازدادت الرغبة في كسر الصمت؛ وكأن المرء، لولا هذا الصوت المدوي، لغرق في عالمٍ لا يكدر صفوه شيء.
وهنا تظهر أكثر محاكاة ساخرة مبتذلة لمقولة «أنا أفكر، إذن أنا موجود»؛ إذ تتحول بهدوء إلى «أنا أزأر كعادم سيارتي، إذن أنا موجود».
الفرق شاسع؛ ففي نظرية الكوجيتو، يُثبت الوجود من خلال التفكير الواعي. أما في نظرية المعرفة الضوضائية، فيُثبت الوجود من خلال القدرة على إحداث اضطراب. ينشأ أحدهما من التأمل، بينما ينشأ الآخر من الحاجة إلى التواجد قسراً في آذان الآخرين.
لذا، ندرك أن هناك دوافع نفسية ووجودية وراءها. فإزعاج الناس يصبح أسهل وسيلة لكسب التقدير. وكلما زاد انزعاجهم، ازداد شعور هؤلاء المزعجين بأهميتهم.
من المفارقات أن الأشخاص الذين يتمتعون بالمصداقية والجودة الفكرية الحقيقية لا يحتاجون عادةً إلى ضجة كبيرة لإثبات وجودهم. فالحضور القوي ليس بالضرورة صاخباً، والتأثير الكبير ليس بالضرورة مزعجاً. حتى الهدوء قد يُحترم، بل ويُذكر لفترة أطول.
لكن البشر المتعطشين للاهتمام غالباً ما يختارون الطريق الأسرع: إثارة ضجة، ثم الاستمتاع بردود الفعل الاجتماعية الناتجة. وهكذا تتحول الشتائم إلى هدايا، ويصبح غضب الآخرين بمثابة تأييد. وأخيراً، يبدو هدير هذه العوادم البشرية وكأنه جملة واحدة بسيطة: «نحن موجودون، ولا يمكنكم أن تتجاهلونا».

أترك تعليقاً

التعليقات