صورتان من ساحة الفعل الثوري
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
عند هفوات النخبة، وسقطات الصفوة، تقابلك صورتان، مختلفتان: الأولى نذيرُ شؤم لاحتوائها على الكثير من الشواهد الشارحة لما آلت إليه بعض الشخصيات المعول عليها في تعزيز الوعي بالمشروع، من خلال تبنيها مفاهيمه في حركتها العملية، ونشاطها الفكري والثقافي، لاسيما حينما يقدم هذا البعض على تبني إمكانية الفصل بين المبادئ الأساسية التي تشكل قلب المشروع الجهادي والثوري، وبين نشاطه السياسي، والذي قد يسبب ارتباكاً لدى المتلقي، نتيجة تعرض المفاهيم والقناعات للمحو والإلغاء، وذلك بالقفز عليها، وعدم الاكتراث بها أو تجميدها في بعض المراحل، طمعاً باسترضاء الخصوم، أو سعياً لتحقيق تقاربٍ ما مع الأعداء، أو أملاً بإحراز تقدمٍ معين، في تكوين صورة مغايرة للصورة التي رسمها الإعلام المعادي لنا في ذهنية المتابع العربي المسلم، أو الأجنبي على مستوى العالم، غير مدركين أن العمل الذي يتحرك بمعزلٍ عن المبدأ في عالم السياسة: أمرٌ بالغ الخطورة، حتى وإن ظن الذين يتجهون هذا الاتجاه أن المسألة طبيعية، متى ما بقي هكذا أسلوب مقتصراً على الأمور العادية، والقضايا الصغرى، والأشياء الداخلة في هامش الحياة، ولم يتعدها إلى ما هو داخلٌ ضمن الثوابت الأساسية، والقضايا المصيرية، والمبادئ والقيم والمرتكزات العقائدية والأخلاقية، وهذا هو الجهل بعينه، والغفلة بأوضح معانيها، إذ التساهل من قبل العاملين تجاه القضايا الصغيرة في أي مرحلة من مراحل الحركة سيصبح حجةً يحتج بها المنتمون للنهج والخط في المراحل التالية، عندما يحصل منهم تفريط بقضايا كبرى، أو يبدر منهم تساهل بشأن الأشياء المتعلقة بمصير الثورة بشكل عام، ومرجعية يعتمدها كل مقصر ومتخاذل، ويعود إليها كل خوار وعاجز على مدى الزمن.
صحيحٌ قد يحصل أحياناً تقدمٌ أو إنجاز على مستوى الحركة، نظراً لاتباع مثل هكذا أساليب، لا تعرف إلا اللعب على التناقضات، ولا هدف لها سوى انتهاز الفرص، بعيداً عن أي مبدأ ديني، أو قيمة أخلاقية، ولكنه يظل مكسباً مؤقتاً، يليه خسائر كبيرة ودائمة، فما الداعي لاعتماد فن الممكن، أو الغاية تبرر الواسطة، في الوقت الذي يعني العمل بهما: إسقاط الحركة من داخلها، وهزيمتها بيد أبنائها، وإيجاد الانحراف في الخط، والفكر، بتعطيل المنهجية، وتجميد المشروع؟
أما الصورة الثانية فهي: تلك التي توحي بتنامي حس المسؤولية لدى الوسط الشعبي، تجاه ثورته ومشروعه الجهادي التحرري، إذ بات هنالك من يستطيع أن يقول: لا، بوجه كل من ينسى أو يتناسى الثوابت التي يقوم عليها التوجه، ويتجاوز الحد في الغفلة عن المبادئ التي يمثل وجودها الأساس المبني عليه الانطلاقة العملية والفكرية، التي تنبع عن الانتماء لهوية، وتعبر عن أصالة التزام بالدين، وهذا هو الضامن الوحيد لكي يتحقق لثورتنا جانب الحماية القوي والفعال، سواءً في حمايتها من أنفسنا، أو حمايتها من عدوها وعدونا، فعلينا تشجيع ودعم ومساندة هذا الوعي، وهذه النباهة الحاضرة في الوسط المجتمعي، حتى تصير ظاهرةً عامة يتميز بها اليمانيون على سائر مجتمعات وشعوب الدنيا، فبها يعتدل الميل، ويستقيم المعوج، ويعرف الخامل، ويفضح الكاذب والمنافق، ويسود التكامل، ويعم الخير، ويتحقق النصر والبناء.

أترك تعليقاً

التعليقات