الثقافة بمنظور الشعوب الحية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا يستقيم السير لأي مجتمع من المجتمعات في طريق البناء الحضاري والإنساني، والإبداع الفكري والفني إلا متى ما استندت حركته العملية، إلى نظام ثقافي متكامل، إذ إن الثقافة هي العمود الفقري لقيام أي نهضة حضارية، والأساس الذي يتطلبه البناء الوجودي الشامل لأي شعبٍ من الشعوب، أو أمةٍ من الأمم، وهي المعطى الذي يهب كل شيءٍ داخلٍ ضمن التركيبة النفسية أو المجتمعية قيمته ومعناه، والقوة التي تمد كل مجال من مجالات العمل بما يحتاجه من عوامل ورؤى وطاقات كي يستمر، ويتمكن من التغلب على التحديات والتهديدات التي قد تحول دون ما يود الوصول إليه من إنجازات، أو الحصول عليه من نتائج على كل المستويات.
ونحن هنا لا نعني بالثقافة تلك التي تقتصر على الجانب الوعظي أو الإرشادي، ولا تطل على الأشياء إلا من بعيد، فلا تلامس إلا السطح منها، كما لا نقصد بها تلك الثقافة الالتقاطية، التي لا يتحرك أصحابها إلا من باب إسقاط الواجب لا أكثر، أو على أساس الاكتفاء بقضايا معينة يظلون يدورون حولها ليلاً ونهاراً، باعتبارها شغلهم الشاغل الذي لا سبيل للفكاك عنه، وإنما نعني: الثقافة التي تحتكم إليها كل السلطات، لكونها السلطة العليا المعنية بتحديد الخطوط، وإيجاد الرؤى، ورسم المنطلقات، وإعطاء التوجيهات التي يجب السير عليها، والالتزام بها، وعدم الغفلة عنها، بالنسبة لرجل السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو العلم أو الفن أو الأدب أو الأمن أو الجيش أو غير ذلك، وهي بعد ذلك: الثقافة التي تسهم في معرفة الماضي، وتتمكن من تحديد السبل الصحيحة لفهم الحاضر، ولديها القدرة على رسم ملامح المستقبل، وتوفير العوامل التي يتطلبها صنعه وبناؤه. هذه هي الثقافة بمنظور الشعوب الحية، وقواها الطليعية الحاضرة في كل ميدان من ميادين المواجهة مع قوى الاستكبار العالمي، لذلك نراهم يحددون للعمل الثقافي مجموعة من المهام والوظائف التي يجب عليه القيام بها على أكمل وجه، أما أبرز تلك المهام هي:
1. وضع خطة هندسية شاملة ودقيقة من أجل البناء الثقافي، بحيث تتمكن من منح التصور التام للناس إزاء كل ما يجري، إلى جانب القدرة على تفسير الظواهر، وتحليل الأحداث، وتفنيد المواقف داخلياً وخارجياً.
2. العمل على إعادة التنظيم للجبهة الثقافية، والهيكلة لمؤسساتها، بصورة مستمرة، وذلك لكي يظل العمل الثقافي فعالاً ومتجدداً مهما تغيرت الأزمان، واختلفت المواقع، وتنوعت الظروف والأحداث، إضافة إلى جبر النقص الموجود في العمل الثقافي، وتفادي الوقوع في بؤر الخلل والتقصير والغفلة، مع ضرورة السعي لتعزيزه بالطاقات والقدرات اللازمة لتقويته، وتوفير ما يضمن له المناعة من الضعف والاختراق.
3. معالجة الأمراض المجتمعية، وتتبع كل الظواهر السلبية، وكشفها، وتقديم الحلول بشكل دائم لما قد يطرأ من مشكلات وإشكالات، وجعل المجتمع يعيش حالةً من اليقظة والاستعداد لمواجهة أي خطر قد يتهدد وجوده، ويضرب حركته، ويحيط بمصيره.
4. تعزيز المعرفة لدى الشعب بطبيعة الأنظمة التي حكمته في الماضي، وإحاطته بكل نوازعها وأهدافها وجميع تفاصيل حركتها، حتى تلك الأمور المتعلقة بحياة رموزها، وسمات ومكونات شخصياتهم، وسائر أحوالهم، دونما مواربة أو إبهام أو غموض لأيٍ من ذلك، كي لا يقع الشعب مجدداً في حبائل التضليل لبقايا تلك الأنظمة، فيعيدونه إلى خانة الصفر، ويفرضون أنفسهم حكاماً عليه مستقبلاً.

أترك تعليقاً

التعليقات