شيخوخة الإمبراطورية وتوابعها..!
 

أحمد عز الدين

أحمد عـز الدين / لا ميديا -
لكأن الحرب على اليمن يمكن اختزالها في بضع صور أو مشاهد مستجدة، كقصف مطار الملك خالد، فالواضح أن تستطيح الذاكرة العربية قد أصبح أبسط الوسائل التي تؤدي بها تكنولوجيا صناعة الوهم وظيفتها، في التضليل والإيهام.
أولاً: ليس اليمن حارة أو زقاقا جانبيا، أو نتوءا معزولا على الخرائط، سواء خرائط الجغرافيا الاستراتيجية للإقليم، أو خرائط الاستراتيجية الأمريكية المضادة له، بل هو قطعة بنيوية في فصول معركة صدامية كبرى، تجري في «الشرق الأوسط»، وقد فرضت عليه بالقوة المسلحة، مستهدفة إحداث انقلاب استراتيجي شامل فيه، وهو لذلك موصول بمقدمات هذا الانقلاب ومساراته ونتائجه، فهو أكثر ما يكون ارتباطا بمستقبل الميزان الاستراتيجي العام في الإقليم، وأشد ما يكون تأثيرا في تحولات البندول الاستراتيجي فيه بين الشرق والغرب والشمال والجنوب والبر والبحر والمياه المغلقة والمياه المفتوحة، والمقاومة والاستسلام، فمنتوج معركة اليمن ليس بالغ التأثير في باب المندب فحسب ولا في البحر الأحمر، ولكنه بالغ التأثير في مصير تلك الكتلة الاستراتيجية الممتدة من منابع النيل وحتى المحيط الهادي، بما في ذلك السعي الدؤوب من قبل الولايات المتحدة و«إسرائيل»، إضافة إلى اثيوبيا والإمارات، لإعادة تشكيل القرن الإفريقي من سد النهضة إلى أرض الصومال، التي تريد أمريكا أن تعترف بها للحصول على قاعدة عسكرية ثانية بعد قاعدتها الأولى (ليمونيه) في جيبوتي، في الوقت الذي تحول فيه الصين قاعدتها المجاورة إلى قاعدة عمليات متقدمة، مرورا بميناء عصب الإريتيري، الذي تسعى إثيوبيا لاقتطاعه بالقوة المسلحة بموافقة أمريكية ومساعدة خليجية، بينما لا تزيد المسافة بينه وبين جزيرة زقر في باب المندب سوى 111 كيلومترا فقط.
ثانياً: إذا كانت معادلات القوة تكتيكية أو استراتيجية، في ضوء تمدد أنصار الله إلى الساحل الغربي لليمن، تمثل سيفا فوق إحدى أذرع الاستراتيجية الأمريكية في الإقليم، فإنها تمثل خنجرا فوق عنق «إسرائيل» بالدرجة الأولى، فأطماعها تبعد مئات الكيلومترات إلى ما وراء باب المندب.
في أوج معركة مأرب عام 2021، أصدر المتحدث باسم «الجيش الإسرائيلي» بيانا تحذيريا للسعودية من التقدم المتسارع لأنصار الله نحو مأرب، وكان التحذير الأول محددا بكلماته: «لأن ما بعد مأرب ليس إلا الجزيرة العربية وما وراءها»، وكان التحذير الثاني أكثر تحديدا: (حتى لا تتكرر مأساتنا التي عانينا منها قبل 1340 عاما حين سقطت يثرب من أيدينا ومكة والجزيرة من أيديكم) والشاهد في ذلك ليس مأرب وإنما يثرب.
لقد أبدى البعض دهشته مما نقله ضباط باكستانيون قبل أيام عن وجود ضباط «إسرائيليين» في غرف العمليات بالسعودية، وهي دهشة مدهشة لأن توقيت مشاركة «القوات الإسرائيلية» في الحرب على اليمن متلازم مع توقيت إلقاء قنبلة نيتروجينية على جبل نقم قامت بها طائرتان «إسرائيليتان» من طراز «إف 15»، ففي التوقيت نفسه (29 مايو 2015) انضم سرب «إسرائيلي» إلى العمليات ضد اليمن، وحسب الوثائق «الإسرائيلية» نفسها، فإن المشاركة تمت بعدد 42 طيارا وسبعين خبيرا وفنيا، شاركوا في إدارة غرف العمليات، بل شاركت قوات «إسرائيلية» بشكل محدود في أعمال قتال على الأرض، كان هدفها الاستطلاع بالقوة، وكان أهمها في المخا وباب المندب.
والحقيقة الدامغة، أن التطبيع العسكري بين السعودية و«إسرائيل» كان مبكرا، واستبق الحرب على اليمن بعدة سنوات، فقد تم أول تدريب مشترك بين الطيران الحربي السعودي و«الإسرائيلي» قبل «ثورة يناير» بحوالي أربعة أشهر، وتم على طائرات من طراز «إف 15» في أكبر قاعدة جوية إسبانية، ثم تم استكماله في إحدى القواعد بالولايات المتحدة الأمريكية.
إن هناك الكثير والكثير مما يمكن أن يضاف فوق ذلك، ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه كيف لي أن أصدق تلك المقولة التي تدعي أنه إذا لم تذهب القوات إلى هناك فإن السعودية ستضطر إلى أن تطلب من نتنياهو أن يذهب إلى هناك، إذا كان نتنياهو هناك منذ أكثر من اثني عشر عاما؟
ثالثاً: قبل أسبوع واحد من ضرب مطار الملك خالد والذي تحول إلى آية لإغاثة السعودية، قامت الطائرات السعودية أو التي تستأجرها، بقصف مستشفى السبعيني في قلب العاصمة صنعاء، إلى جانب الأمن المركزي ومواقع أخرى، وكان هناك ضحايا لم يكشف أنصار الله عن أعدادهم..
في أوج المواجهة بين وحدات البحرية الأمريكية في البحر الأحمر وأنصار الله، قدم السعوديون للقيادة المركزية الأمريكية إحداثيات تتضمن 12 موقعا داخل شمال اليمن، وقالوا أنه إذا تم قصفها، فسيتم شق القوة اليمنية، وقد تم القصف بعنف، وفي أعقابه تراجعت الولايات المتحدة منكسرة، وارتضت بوقف القصف المتبادل، وتركت "إسرائيل" وحدها تحت نيران الصواريخ والمسيّرات اليمنية.
على امتداد ثمانية أعوام لم تتوقف الطائرات السعودية و"الإسرائيلية" والأمريكية، عن قصف شمال اليمن، فلم يبقوا حجرا فوق حجر في صنعاء، من البيوت إلى السجون إلى الشوارع الرثة والحوائط المتآكلة ومن الآبار ومحطات الغاز ومخازن السولار، إلى مصانع الثلج والأسواق والعربات الطائشة وسرادقات العزاء حتى النصب التذكاري الوحيد للجندي المصري المجهول في العصمة صنعاء لم يسلم، فقد تكفلت طائرتان سعوديتان بقصف ساحته وحديقته ومسكن حارسه، فقتلت الحارس وزوجته و6 من أطفاله.
هذا كله في الوقت الذي فرض على شمال اليمن حصارا جائرا يشمل طعامه ودواءه وحاجاته الأساسية، بينما يسرقون بتروله وغازه ويستحلون أموال الكادحين في ربوعه، لقد كان عدد الغارات الجوية التي استهدفت أنصار الله، يربو على اثنتين وعشرين ألف غارة، يضاف إليهم 2900 غارة خلال المائة يوم الأخيرة، قامت بها طائرات محملة بالقنابل العنقودية والثقيلة والصواريخ جو أرض، وهو رقم بحسابات الرقعة الجغرافية، يصل إلى حدود القصف المساحي ويتجاوز كل ما شهدته الحروب ضربا من الفضاء.
رابعاً: لقد اسقطت السعودية الهدنة مع أنصار الله بقصف مطار صنعاء، فيما كانت تجيش عامدة عُدتها في اليمن من قوات موالية وكتائب سلفيين ومجموعات من المرتزقة لإطلاق عملية عسكرية واسعة تهدف إلى "تحرير صنعاء" نفسها، واستعادة كل الأرضي من قبضة أنصار الله، وعندما تحرك أنصار الله يوم 8 ثم تمددوا كانت لديهم خرائط كاملة بالخطة والمواقع والقوات والإحداثيات، وقد كان تحركهم بالأساس لإجهاض تحرك مضاد يستهدف صنعاء ذاتها، لكنهم خلال 72 ساعة تمددوا بالقوة المسلحة من ميدي شمالا حتى باب المندب جنوبا، حيث توجوا تقدمهم إلى الساحل الغربي بعملية إنزال بحري، أسقطت جزيرة بريم الاستراتيجية إلى جانب جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى، وبسيطرتهم مؤخرا على آخر مواقع جبال كهبوب، فقد استكملوا بناء جبهة حماية خلفية صلبة لباب المندب.
لقد قدم أنصار الله درسا عسكريا بليغا مبادءة وتكتيكا وتوظيفا للسلاح، والطبوغرافيا وهو ما يستحق في حينه وقفة مستقلة.
خامساً: بكثافة شديدة:
1. أمام تلك المطالبات لمصر أن تتدخل بحل سياسي يطفئ النيران، فالحقيقة المؤكدة أن مصر تدخلت مبكرا جدا وبعد أقل من شهر واحد على بدء العمليات العسكرية السعودية وتواصلت محاولاتها بدأب على امتداد أعوام، ودون دخول في تفاصيل ليس لي الدخول فيها، فإن السعودية كانت مصرة على استئصال أي دور سياسي مصري، فضلا عن أنها استخدمت أدواتها لتوصيف الدور المصري في الحرب بما ليس فيه.
2. لقد كررت على امتداد سنوات أن أنصار الله يتمتعون بنزعة استقلالية قوية وواضحة، لكن البعض مازال يكرر ببغاوية رتيبة أنهم ذراع إيران، ورغم أنه توصيف كسول، لكن هذه النزعة الاستقلالية، غدت الآن محل اعتراف صريح في أرفع الأوساط الاستراتيجية والعسكرية في الغرب كله ربما دون استثناء.
3. بصدد الحديث عن أنصار الله على أنهم مجرد ميليشيات بلا عمق شعبي في اليمن، فإن المخابرات البريطانية هي التي ترى الآن أن نسبة شعبية أنصار الله تصل إلى 75% من إجمالي سكان اليمن، بينما يرى الموساد أن هذه النسبة تتجاوز الأغلبية المطلقة وتقترب من 100%.
سادساً: لا شك أن قوة أنصار الله في الساحل الغربي لليمن، تمثل في الحد الأدنى ثقلا عسكريا مضادا، لقوة أمريكية و"إسرائيلية" وإثيوبية وخليجية، تسعى إلى الاستحواذ على تلك الكتلة الاستراتيجية الفريدة الممتدة من منابع النيل حتى المحيط الهادئ، بما في ذلك ساحل البحر الأحمر بعمقيه الأفريقي والآسيوي، مع ذلك فإنني أخشى أن أقول ما قد يعتبره البعض جموحا مطلقا، برغم أنه وليد حسابات استراتيجية صافية.
إنني أحسب أنه، إذا لم تكن هذه القوة المضادة للاستراتيجية الأمريكية في الإقليم أيا كان اسمها، ليست موجودة في الساحل الغربي لليمن فقد كان علينا أن نصطنعها، ليس لنفسها وإنما لأنفسنا، وليس من أجل اليمن وإنما من أجل الأمن القومي.

أترك تعليقاً

التعليقات