الفقرُ.. من أين جاء؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
كل يومٍ أسأل نفسي: من أين جاء الفقر؟ من النقص الموهوم للخيرات في الطبيعة؛ أم من السلب والاحتكار الجلي؟ هل فقر الفقير أمرٌ تكويني؛ لا علاقة للسياسة فيه؛ كما يقولون: إن الله قد كتب على كل إنسانٍ ما يلاقيه مذ نفخ فيه الروح؛ فليس للشقي حق الاختيار بين السعادة والشقاء؛ وليس للفقير حق الاختيار بين الفقر والغنى؛ فكل هذه مسلمات جرى بها القدر؟ ولماذا لم يجد هذا الاعتقاد المزيف سوى الخالق ليلقي عليه تبعات ما تقوم به طبقات القهر الفعلي؟
لماذا أصبح هذا الإنسان بهذه الصورة من القابلية للعبودية؟ إن طريق معرفة حقيقة ظاهرة الفقر تحتاج إلى بحث لا يسأل كم عدد الفقراء، بل يسأل ما هو الفقر في ذاته وفي جوهره وفي وجوده؟ هل هو نقص طبيعي كقلة المطر؟ أم هو سلب اجتماعي كالسرقة؟ هل هو قدر إلهي يُحتمل بالصبر؟ أم هو قهر إنساني يُقاوم بالعدالة؟
الفقر ليس نقصاً، بل سلب. ليس قدراً، بل قهر. ليس حالة طبيعية، بل جريمة توزيعية منظمة.
ونؤسس ذلك على ثلاثية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام الخالدة: «لو كان الفقر رجلاً لقتلته» وعليه؛ فالفقر عدو وجودي مشخص. «ما دخل الفقر من باب إلا وخرج الإيمان من الباب الآخر» -الفقر تهديد روحي للمجتمع. «ما جاع فقير إلا بما متع به غني» -الفقر جريمة توزيعية. فلماذا الأنطولوجيا قبل الاقتصاد؟ لماذا الفلسفة قبل الإحصاء؟
ولكي نفهم كل ذلك علينا: قبل أن نقيس الفقر، يجب أن نعرف ما هو. قبل الإحصاء، الفلسفة. قبل العلاج، التشخيص الوجودي. قبل الحل، معرفة طبيعة المشكلة. فالاقتصاد التقليدي يقول: الفقير من دخله أقل من 2.15 دولارا. لكن الفلسفة تسأل: لماذا دخله أقل؟ هل لأنه كسول بطبيعته؟ أم لأن هناك من أخذ من دخله؟ هل الفقر نتيجة كسل الفقير، أم نتيجة جشع الغني، أم نتيجة نظام يسمح للغني أن يأخذ أكثر من حقه؟
هناك نظرتان للفقير وفقره في واقعنا: نظرة من يرى الفقر نقصاً طبيعياً، يديره بصدقة موسمية، وبطانية شتاء، وحملة علاقات عامة. وآخر يراه سلباً اجتماعياً، يقتله بعدالة توزيعية، وضريبة عادلة، ومنع احتكار.
الأول يبقي الفقر، والثاني يقتله. الأول يحافظ على الفقراء كزبائن للصدقة، والثاني يحولهم إلى مواطنين لهم حقوق.
قيل لنا: إن الفقر نتيجة طبيعية لنقص الموارد؛ وهذا كذب: فالنقص للموارد لا يورث الفقر ما دامت هنالك عدالة اجتماعية. نحن نرى اتساع دائرة الفقر كنتيجة لوجود السلب. النقص: أن يكون الشيء قليلاً بطبيعته وذاته، بلا فاعل خارجي. شجرة قصيرة بطبيعتها، بئر قليلة الماء بطبيعتها، أرض جدباء بطبيعتها. النقص طبيعي، لا فاعل له، لا جريمة فيه، يُحتمل.
السلب: أن يُنزع من الشيء ما كان له، أو ما يجب أن يكون له، بفعل فاعل خارجي. شجرة قُطعت، بئر سُرق ماؤها، أرض صودرت. السلب فعل، له فاعل ومفعول به، له سارق ومسروق، له ظالم ومظلوم، فيه جريمة.
الفقر الذي نراه اليوم في عالمنا ليس نقصاً طبيعياً، بل سلب اجتماعي منظم ومقنن ومحمي بالقانون.
الدليل البسيط: الطبيعة حوت ما يكفي الجميع وزيادة. الأرض تنتج قمحاً يكفي ضعف سكان الكوكب. الماء يكفي، الدواء يكفي، البيوت تكفي. لكن النظام يوزع القمح ليجوع ثلثه ويتخم ثلثه، ويوزع الدواء ليمرض فقير ويشفى غني، ويوزع البيوت ليسكن قلة قليلة قصور فارهة ويتشرد معظم الناس في العراء.
لو كان الفقر نقصاً طبيعياً، لكان كل الناس فقراء حين تجف الأرض. لكننا نرى في نفس الأرض الجافة، في نفس المدينة، في نفس الشارع، في نفس اللحظة: قصراً يستهلك ماء قرية كاملة، وقرية بلا ماء شرب. برجاً يأكل كهرباء حي، وحياً بلا كهرباء. هذا ليس نقصاً، بل سلب. سلب ماء القرية ليذهب للقصر.

قانون التلازم الوجودي «ما جاع فقير إلا بما متع به غني».
هذه العبارة ليست حكمة أخلاقية للوعظ، بل هي قانون أنطولوجي صارم، قانون وجودي، قانون فيزيائي اجتماعي: لا يوجد جوع بلا تخمة مقابلة، لا يوجد فقر بلا غنى فاحش مقابِل، في نفس الزمان والمكان، في نفس النظام.
لو كان الفقر نقصاً طبيعياً، لوجدنا مجتمعات كلها فقيرة بلا أغنياء. لكننا لا نجد ذلك أبداً في التاريخ. نجد دائماً: فقير وجائع وغني ومتخم في نفس المدينة، في نفس الشارع.
الجوع ليس غياب طعام، بل حضور احتكار للطعام. الفقر ليس غياب مال، بل حضور اكتناز للمال.
الغني لم يصبح غنياً لأنه عمل أكثر فقط -فالفلاح يعمل أكثر من المضارب- بل لأن النظام سمح له أن يأخذ أكثر من حقه: أجر بخس للعامل، تهرب ضريبي للدولة، احتكار أرض، احتكار دواء، احتكار وظيفة، احتكار معلومة.
والفقير لم يصبح فقيراً لأنه كسول فقط -فالفقير أكثر الناس عملاً- بل لأن النظام سمح أن يُسلب منه حقه: حقه في أرضه التي صودرت، في عمله الذي بُخس، في ضرائبه التي دفعها ولم تعد إليه كخدمة، في تعليمه الذي حُرم منه.
إذن الفقر ليس نقصاً، بل سلب. ليس حالة، بل فعل. فعل نهب منظم.

أترك تعليقاً

التعليقات