آفةُ «الأنا»
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لطالما عرف الناسُ رجالاً كانوا في زمن الاستضعاف والغربة وقلة الحيلة وحالة الهوان على الناس؛ حملةَ مشروعٍ، وذوي قيم ومبادئ وأخلاق! فإن قالوا؛ لمست في مقالهم «الحكمة، واللين، والكلمة الطيبة، والحرص على الناس»! وإن فعلوا؛ فبدافع الرضى لله؛ متواضعين بارين بالناس؛ قريبين منهم؛ محبين لهم! وما إن صاروا الأقوياء الممسكين بكل معاني القدرة والنفوذ والغلبة؛ حتى غدوا طلاب ملك؛ ودعاة علو وظلم وبغي وفساد! لا يقولون إلا ما يرضي غرورهم؛ ولا يتقبلون منك مقالة بحق، ولا نصيحة بعدل! إن حضروا؛ فحضورُ المتكبرين، وإن كُلموا؛ فبلسان مَن يخشى الجبابرة؛ ويتعامل مع مجرد إناسٍ سفهاء، لا يتورعون عن فعل أي شيء في المتكلم معهم ما دام قد أزعجهم؛ ولم يحضَ بنيل رضاهم؛ لاسيما حين يحمل خطابه نبرة احتجاج؛ أو دمعة مظلوم؛ أو استغاثة محروم وصاحب حق!
إن هؤلاء لم يكن تحولهم هذا من النقيض إلى النقيض؛ وليدَ اللحظة؛ كنتيجة لما بات بين أيديهم من قوة؛ وإنما كان انعكاساً موضوعياً لحقيقتهم المرعبة؛ التي ظلت زمن الاستضعاف كامنةً في بواطن النفس؛ ولم تفعل لحظة الاستقواء شيئاً سوى أنها مثلت لحظة انكشاف للجوهر الذي يبين ماهية تلك النفوس.
إن ما تتوخى هذه الإضاءة بيانه هو: أن طغيان الطغاة؛ واستعذاب الظلم والبغي يكون مرآة تريك حقيقة ذات مَن يمسك بمقاليد الحكم؛ الذين كانت عوامل القوة عبارة عن الأرضية التي ستقيم عليها تلك الذوات واقعها والذي سيكون صورةً طبق الأصل لما يقوم عليه واقعها النفسي والروحي والعقائدي، الأمر الذي يضخم لديها مفهوم «الأنا» إلى الحد الذي يجعلها بعيون أصحابها مستحقة للعبادة. وهكذا تقيم نفسها مقام الأصل لهذا الوجود والموجودات؛ هناك؛ يصبح هواها القانون؛ ورغباتها وشهواتها غاية في الفعل والحركة والموقف؛ فمَن أغضبها؛ شهرت في وجهه سيفها؛ العامل في سبيل مصالحها؛ التي هي الشريعة التي تحاكم الناس وفقها؛ وتحتكم وإياهم إليها.
وهكذا ندرك أن مَن يستعلي في باطنه على الحق؛ سوف يستعلي ظاهرياً على الناس إذا ما توفرت له القوة، وآل إليه أمر عباد الله وبلاده.
هذه هي آفةُ «الأنا المتضخمة» التي متى ما طغت على نفس سلطة ما؛ لم تكتف بإفساد نفوس الساسة؛ وإنما تسعى لإفساد الواقع كله من حولها؛ لأنها لا ترى نفسها جزءا من كل؛ بل مركزاً يدور الكون كله حوله.

أترك تعليقاً

التعليقات