الهوية حصيلة تفاعل لا جوهراً معزولاً
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
بقدر ما يميل تاريخ الأمم والشعوب والجماعات إلى اتخاذ أوصاف قومية أو أيديولوجية مغلقة، إلا أن هذا يجب أن لا يحجب حقيقة أساسية هي أن أي تاريخ أيضاً هو حصيلة تفاعل عام بين الأمم والشعوب والجماعات، فضلاً عن الثقافات والحضارات.
لا توجد هوية صافية، بكر، لم يمسسها الآخر. كل هوية هي أثر لعبور الآخر فيها. وبهذا المعنى تكتسب الهوية ميزتها النقدية؛ لأنه لا يمكن لها الوقوف عند تعريف محدد ونهائي، وإنما تكون في حالة إعادة مستمرة لتعريف نفسها. فكلما اتحد حد من حدودها مع بُعد من أبعادها، دخل هذا البُعد في حدها، ليصبح الحد بدوره حداً آخر... وهكذا دواليك.
إنها ليست جوهراً ساكناً يُكتشف في باطن الذات، بل سيرورة منجزة تُبنى في تخوم التماس مع الغير. الهوية مشروع مفتوح، لا متحفاً مغلقاً.
وهنا نستدعي تمييزاً وجودياً حاسماً: تميز الفلسفة الوجودية بين أن يكون الشيء، وبين أن يوجد. فالحجر قد يكون، ولكنه لا يوجد؛ ذلك لأن الحجر لا يوجد خارج العمل الذهني الذي يجعله وجوداً ويمنحه صفة الوجود. كما أن الحجر وغيره من الموجودات تخضع تحولاتها لمنطق السببية الآلية، لا لمبدأ الاختيار والحرية الذي يمتاز به الوجود الإنساني.
هوية الحجر معطاة، منتهية. هوية الإنسان منجزة، حرة. الحجر هو ما هو، الإنسان هو ما يجعل نفسه عليه. وجوده سابق على ماهيته، وماهيته لا تتشكل إلا في شبكة مغايراته. نحن لا نوجد إلا لأن هناك عالماً غيرنا نقاومه ونفاوضه ونختلف عنه ونأتلف معه. فالاختلاف ليس نقيض الوجود، بل شرطه الأساس.

أترك تعليقاً

التعليقات