مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لم يجعل الله سبحانه وتعالى، ذكورية الرجل وما يرتبط بها من عوامل ومكونات امتاز بموجبها الرجل عن المرأة بخصائص تكوينية جعلته مختلفاً عنها في تركيبته الجسدية، بحيث يكون أعلى مكانة منها أو أعظم كرامةً، وإنما أراد لهذا التنوع في الخصائص الخلقية والتركيبة الجسمانية أن ينطلق على أساس الماهية الوجودية لكلٍ من الذكر والأنثى، والتي تحدد وحدة الأصل البشري، ووحدة النوع الإنساني، الجامع لكليهما كنفس واحدة خلقها الله عز وجل وخلق منها زوجها، وكلمة الزوج تطلق على الرجل وعلى المرأة كما هو معروف في اللغة العربية.
وهكذا كانت وحدة النوع الإنساني التي تجمع المرأة بالرجل، هي المقياس الذي يحدد لهما واحدية المهمة الاستخلافية التي حملهما الله إياها كأمانة يجب القيام بها وتحمل تبعات التقصير في حفظها وأداء حقها كاملاً غير منقوص لينعما بالخير ويحصلا على الثواب والأجر، وليفوزا برضوان الله.
إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل اختلاف النوع الإنساني سبباً في إثابة أحدهما على العمل الواحد الذي يقومان به خاضعاً لذكورة أحدهما وأنوثة الآخر، بحيث يثاب الرجل أكثر لكونه رجلاً وتثاب المرأة أقل باعتبارها امرأة، وإنما جعل الله سبحانه، الإيمان به هو الإطار الذي لا بد للرجل والمرأة من الانطلاق من خلاله في كل ميادين العمل وساحات السعي ومواطن البذل، قربةً إلى الله وإقراراً له بالعبودية والطاعة والخضوع والانقياد، وتأكيداً على الولاية له تبارك وتعالى، التي تنعكس وحدةً وتماسكاً وقوة ورحمة ومحبة وإحساناً في وسط المجتمع المؤمن، الذي يبين الله سبحانه وتعالى، أنهما كذكور وإناث، مادام أنهما ينطلقان من خلال اتحاد الحركة العملية المعبرة عن الإسلام والمجسدة للإيمان، صياماً وصبراً، وقنوتاً وتصدقاً، وأمراً بمعروف ونهياً عن منكر، طاعةً لله ورسوله، فإن الجزاء سيكون واحداً، وكذلك القضية في التحرك السلبي القائم على الانحراف والكذب والكفر والنفاق والعصيان لله ورسوله، فإن العاقبة جهنم ليذوقا عذاب الله الذي يستحقانه.
كما لم يختص الرجل بمؤهلات تجعله قادراً على بلوغ مرتبة الكمال دون المرأة، بل جعل لكلٍ منهما الإرادة والاختيار في قضية المصير، بحيث يمكن للمرأة متى أخلصت لربها أن تكون قدوة ومثلاً للرجال والنساء، كما أنها إذا فرطت وقصرت تصبح مثلاً سيئاً يعبر عن خط الكفر المتضمن للرجال والنساء، من هنا يتبين أن القدوة من الرجال لا يختص بهم دون النساء، فقد تكون المرأة قدوة للرجل كما قد يكون الرجل قدوة للمرأة.
لكن هذا التصور الإسلامي الذي تضمنه القرآن الكريم، لايزال مبعداً عن الذهنية الإسلامية التي تخطط لحركة الفكر وتحدد طبيعة عمل كلا الجنسين، وتضع الضوابط والحدود التي بموجبها تحدد القيود والضوابط التي تقدم المرأة كعنصر مختلف عن الرجل، وتوحي للرجل بأنه يفوق المرأة ويمتاز عنها بمقومات تدفعه لإصدار أحكام بحق المرأة ما أنزل الله بها من سلطان، وذلك نتيجة لعدة عوامل، حكمت الذهنية الفقهية التي صاغت أحكاماً وأوجدت مسائل في ما يتعلق بالمرأة بما يتناقض تماماً مع المفاهيم القرآنية في ذلك، ولعل أبرز تلك العوامل هي:
أولاً: بقاء الكثير من العادات والموروثات الجاهلية في ضمير المجتمع المسلم حول المرأة، والتي ما إن أحكمت السلطة القبلية قبضتها على الحكم بعد وفاة النبي (صلوات الله عليه وآله)، حتى عادت تلك الموروثات من جديد ولكن على شكل مرويات وأحكام نسبوها زوراً إلى دين الله وشريعته العادلة والحقة.
ثانياً: العمل على تغييب النماذج القادرة على تجسيد الإسلام والقيام به على الوجه الذي يجعله شاملاً لجميع شؤون الحياة، متبنياً كل قضايا الإنسان، وكان ذلك بالإقصاء تارةً كما حصل مع الإمام علي (عليه السلام)، أو بالقتل كما حدث مع الإمام الحسين (عليه السلام)، ومع الكثير من أئمة أهل البيت، بالإضافة إلى قتلهم معنوياً من خلال إثارة الشبهات حولهم، واختلاق كل ما من شأنه أن يعزلهم عن الناس ويعزل الناس عنهم، فيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى ارتباك النظرة في كل شيء، واختلاط الحق بالباطل في مختلف الأحكام والتشريعات، سواء على مستوى العلاقات أم على مستوى التعاملات والعبادات.

أترك تعليقاً

التعليقات