إيران والطهارة الثورية
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
تقف الجمهورية الإسلامية اليوم في مواجهة قوى الاستكبار، الغارقة بدماء المظلومين من بني البشر من قمة الرأس إلى أخمص القدم، المستبيحة الحرمات، والمستأثرة بثروات ومقدرات الأمم والشعوب. وبالرغم من فارق القوة بين طهران وواشنطن، فإن الغلبة هذه المرة ستكون من حق طهران؛ لأنها تمتلك السلاح الأقوى من كل أسلحة العدو الأميركي؛ السلاح الذي له القدرة الفعالة التي من شأنها أن تبرزه كسلاح ردع يفوق بطبيعته السلاح النووي. فما هو هذا السلاح؟
إنه: الروحية التي زرعتها الثورة في الذات الإيرانية الثورية، والتي بدورها أوجدت السلاح الرادع بيد الإيرانيين، الذين يحسنون استعماله بطريقة لا تخطر على بال! إن هذا السلاح هو: الحقيقة الباعثة على الرعب لدى المعسكر «الإبستيني»، لذلك تجد مراكز أبحاثهم وأجهزتهم الاستخبارية يتعامون عنها، وإذا ما تحدثوا عن شيء متعلق بها تناولوه بالسخرية والاستهزاء، من باب أن العقول المادية لا تعترف سوى بما هو محسوس؛ لكنهم، مهما طال الزمن، سيعترفون أن الروحية الإيرانية تمتلك شيفرةً جينية أهم بكثير مما لديهم من رؤوس نووية وقاذفات استراتيجية وتقدم تكنولوجي؛ إنه: الإيمان بالذات، الإيمان بأنهم قادرون على فرض أنفسهم في الواقع، وأنهم يستطيعون الوقوف بوجه العدو مهما كان قوياً، وأن الفارق الهائل بين ما لدى العدو من قدرات، وما لديهم من إمكانات بسيطة وقدرات محدودة، يمكن تجاوزه، بل والتغلب عليه، وذلك بالمثابرة على العمل على بناء القوة، البناء المحسوب بدقة، ومراكمة الجهد في حصد النقاط التقدمية بهذا الجانب دون ضجيج، واليقين بأن عليهم أن يزرعوا نبتة الاقتدار، ويبذروا بذرة التقدم، دون أن يستعجلوا مجيء موسم الحصاد؛ فالحصاد ليس شأن الزارع؛ كون مهمته هي أن يزرع، وأما مهمة الحصاد فمتروكة للزمن؛ فقد تكون بيده، أو بيد الذين سيأتون بعده من الجيل القادم.
إن ما جعل الثورة الإيرانية تصمد وتبني وتتقدم برغم العقوبات الظالمة والحصار الخانق على مدى ما يقرب من نصف قرن، هو التحرر من عقدة العمل من أجل الشخص أو الجماعة، أو المنظومة الحاكمة، والعمل من أجل الأمة الإيرانية، انطلاقاً من الثوابت والقيم والمبادئ التي أرستها الثورة؛ لأنهم رأوا أن اختزال الثورة والجمهورية والدولة بشخص أو مجموعة حاكمة يعني ضيق الأفق، الموجب للفناء. وعليه، كانت الخطط والبرامج ولا تزال تنطلق بحجم الأمة؛ فالارتباط بالشعب ينعكس على الدولة بالمزيد من النمو والتجدد وتحقيق كل ما يتطلعون لتحقيقه.
إن الذات الثورية للإيرانيين نجحت وستنجح لأنها رسخت في وعي رجالها العام ما صاغ وجداناً جمعياً واحداً، هو: أنا عليَّ أن أقدم دمي وعَرَقي وكل ما أملك دفاعاً عن ثورتي. كما أنني حين أضحي لا أسعى لأخذ المقابل، كأنْ أُعطى ما لا أستحق، بحجة أنني ابن شهيد، أو ابن أحد القادة الذين سبقوا سواهم بالفضل والمكانة حين حملوا مهمة إقامة الثورة والدولة؛ فطهارةُ الثوري تكمن في الحفاظ على قدسية الدم المبذول على مذبح الفداء، وعدم إنزاله إلى مقام السلعة لمقايضتها بسلعة أخرى.

أترك تعليقاً

التعليقات