كي لا نخسر الرهان
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
حين تحاصر الدول لعقود، وتُمنع من الدواء والغذاء والتقنية والمال، يكون أمامها خياران: إما أن تموت ببطء، أو أن تصنع إنساناً جديداً قادراً على كسر الحصار بعقله ويده.
هذا بالضبط ما فعلته كوبا وإيران. وبالمقابل، هذا بالضبط ما لم نفعله حتى الآن في اليمن. وهنا تكمن مأساتنا.
كوبا: انتصار المعلم والطبيب على الحصار الأمريكي
منذ عام 1962 وكوبا تحت حصار أمريكي شامل. لا دواء، لا قطع غيار، لا استيراد، لا تحويلات بنكية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991 دخلت «الفترة الخاصة» ومات نصف اقتصادها بين ليلة وضحاها. لكن ذلك لن يكسرها؛ لأنها كانت تملك ما هو أهم: ماذا فعلت كوبا؟ لم تبكِ على النفط المفقود. بل أبانت عن الوجه الحقيقي لقيمة وجودها وطبيعة الثروة التي راهنت عليها منذ البدئ: فقد ذهبت بعد انتصار الثورة إلى المدرسة والمستشفى.
أول قرار كان محو الأمية. في سنة واحدة فقط 1961 نزل مئات آلاف الطلاب إلى الريف، وانخفضت الأمية من 24 بالمائة إلى أقل من 4 بالمائة. وجعلت التعليم حتى الجامعة مجانياً وإلزامياً وربطته بالإنتاج: كليات زراعة، كليات طب، معاهد تقنية.
في الصحة فعلت الأعجب. بنت نظاماً صحياً مجانياً يغطي كل مواطن. اليوم معدل وفيات الرضع في كوبا 4 لكل ألف مولود، وهو أقل من أمريكا نفسها. وأسست «مدرسة الطب اللاتينية» التي خرجت أكثر من 30 ألف طبيب حتى اليوم من أبناء 120 دولة فقيرة مجاناً. وحين منعوا عنها الدواء، صنعته. 80 بالمائة من أدويتها ولقاحاتها محلية. حتى لقاح سرطان الرئة اخترعته كوبا.
لهذا بقيت كوبا وستبقى؛ لأن شعارهم كان واضحاً: «لو لم يكن لدينا خبز، فليكن لدينا أطباء ومعلمون». فانتصروا بالأمس وسوف ينتصرون اليوم وغداً.
ومثلها إيران: فبناء الاقتصاد المقاوم بدأ من الجامعة والمختبر؛ منذ 1979 وإيران في مواجهة مفتوحة. حرب 8 سنوات، عقوبات، اغتيال علماء، حصار مصرفي وتقني.
لكنها لم تتعامل مع الحصار كأزمة فقط، فترضخ للواقع؛ بل تعاملت معه كفرصة لبناء الإنسان. ففي التعليم: رفعت نسبة الملتحقين بالجامعات من 2 بالمائة عام 1979 إلى أكثر من 75 بالمائة عام 2026. وقفزت من الصفر إلى المركز 15 عالمياً في إنتاج الأبحاث العلمية. وحققت اكتفاءً ذاتياً في الطاقة النووية السلمية، والخلايا الجذعية، وتقنية النانو، والطب التجديدي. وفي الصحة: أنشأت «بيت الصحة» في كل قرية. وأصبحت تنتج 97 بالمائة من دوائها محلياً. وتفوقت في جراحة القلب وزراعة الأعضاء رغم منع استيراد الأجهزة. ولا غرابة في ذلك؛ فالسر كان في «المؤسسات الموازية المتكاملة». جهاد البناء نزل للقرى المحرومة وبنى الطرق والمدارس والسدود. الحرس الثوري و»الباسيج» لم يكونوا فقط قوة عسكرية، بل ذراع تعبئة وتنمية. والجيش لم يُحل، بل أعيد تأهيله ليعمل بتكامل مع مؤسسات الثورة وتحت الدستور. وفلسفتهم جميعاً: الحصار يفرض التصنيع، والتصنيع يحتاج علماء، والعلماء يحتاجون جامعات. فصنعوا الدائرة.
وماذا عن مأساتنا في اليمن؟
هنا يبدأ الألم. فنحن في اليمن منذ انتصار ثورة 21 أيلول/ سبتمبر 2014 ونحن في مواجهة مع العدو، فبعد 6 أشهر فقط دخلنا في عدوان شامل وحصار بري وبحري وجوي.
لكن مآسينا لا حصر لها! ولعل المأساة الأولى هي: أننا ضربنا في نقطة الضعف القاتلة؛ فنحن دولة مستوردة، 80 بالمائة من غذائنا ودوائنا ووقودنا يأتي من الخارج. فحين أُغلقت الموانئ والمطارات، لم يتوقف السلاح فقط، بل توقف الدواء والرواتب والخبز. الحصار عندنا لم يستهدف الدولة، استهدف الإنسان مباشرة.
المأساة الثانية: لم نستثمر في الإنسان بالقدر الكافي
في كوبا وإيران كان التعليم والصحة «خطاً أحمر» في الموازنة حتى في الحرب. عندنا انهار التعليم. مدارس بلا كتب، جامعات بلا معامل، أطباء بلا رواتب. وهاجر عشرات الآلاف من الكفاءات. خسرنا رأس المال الذي كنا سنحتاجه لكسر الحصار.
المأساة الثالثة: غياب المؤسسات الثورية الرسمية أو الموازية التنموية
إيران لديها «جهاد البناء» يدخل كل قرية. كوبا لديها أطباء وعلم في كل حي. نحن لدينا بطولات عسكرية عظيمة، لكن لا يوجد حتى الآن جهاز تنموي وطني بحجم كارثة العدوان والحصار؛ فالخدمات شبه معدومة: لا كهرباء، لا مياه، لا طرق. الحصار مستمر ونحن نستهلك ما تبقى لا أن ننتج البديل.
المأساة الرابعة: نزيف العقول
الطبيب والمهندس والأستاذ أول من هاجر. بينما كوبا وإيران احتضنتا علماءهما وحماتهم وجعلتا منهم سلاحاً. نحن تركناهم يواجهون الجوع فيصابون بالإحباط أو يرحلون.
الدرس الذي يجب أن نتعلمه اليوم قبل الغد
كوبا وإيران تقولان لنا شيئاً واحداً: الحصار لا يكسر الشعوب، بل يصنعها إذا راهنت على الإنسان.

أترك تعليقاً

التعليقات