نفائس تحت ركام الغفلة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
يولي الإسلام مبدأ المساواة بين الأفراد والقبائل والشعوب والأمم اهتماماً كبيراً، إذ نراه من خلال الدراسة والبحث في مصادره الأصيلة، والتتبع لسيرة ومسيرة رجاله الخُلص، وأمنائه الأعلام، لم يتجه لمحاربة أي ظاهرة من الظواهر، بكل قوة، وفي كل وقت وحين ومقام ومشهد، كما واجه الفوارق الطبقية والعرقية والنسبية والحسبية وغيرها، ولم يكتفِ في تلك المواجهة عند مستوى القول، بحيث يتجه مجموعة من الناس لتدبيج الكلمات الرنانة، وإلقاء الخطب العصماء، وإصدار التوصيات والمبادئ العامة بهذا الخصوص، وبلغة أدبية محضة، تهز الوجدان، وتثير العاطفة، كما هو معروف لدى المطلعين على أدب الثورات الكبرى في التاريخ الحديث والمعاصر، بل اتجه نحو التطبيق العملي لهذا المبدأ، واجتثاث كل العوامل التي تحول دون تمكنه من النفاذ في واقع المجتمع الإنساني كله، باعتباره قانون حياة، لا مجال لتجاهله، وأساس عقيدة، لا يمكن التساهل في التزامها، والسعي للعمل بمقتضاها كما هي، دونما إغفال لأي بعد أو جانب أو جزئية أو عامل أو مفهوم يحد من نظرتها الشاملة للكون والإنسان، لذلك وجدناه فعلاً: أسمى من كل المدارس والثورات والمنظمات العالمية، التي اكتفت بالوعظ والإرشاد، والمداراة، بل إن التدقيق بمقصود الغرب من وراء مصطلح المساواة، بدءاً من الثورة الفرنسية، وصولاً إلى المنظمات والهيئات الإنسانية والحقوقية، يجعلنا ندرك أن الإنسان المراد لديهم هو: الإنسان الغربي، الذي لا بد أن يكون صاحب بشرة بيضاء، ناصعة البياض.
ومع أن الإسلام يطرح قضية المساواة العامة من منطلق النظرة إليها كواقع موضوعي لا سبيل لإغفاله، وكحقيقة علمية قائمة على أساس فكري عقائدي متين، إلا أنها من الأشياء التي تبدو اليوم بنظر المسلمين: أشياء عفا عليها الزمن، وبات الحديث عنها مثارا للمزيد من السخرية والاستهزاء والتندر، إذ الإسلام كنظرية شيء، والواقع الإسلامي شيءٌ آخر، فلا وجود لمساواة، ولا لتكافؤ بين المسلمين أنفسهم، مع أن الدين الإسلامي لم يؤكد عليهما كأفكار فلسفية مجردة، ولم يقدمهما كوصايا أخلاقية يحث على التزامهما، كما لم يعرضهما من باب الجنوح للخيالات والأمنيات، التي عادةً ما يجنح إلى اعتمادهما في خطابه كل مَن يسعى لتحقيق مصالح آنية، بل قدمهما كحلقة مرتبطة بسلسلة من الحلقات، التي تشكل مع بعضها البعض الرؤية الكونية والعلمية التي أراد لأتباعه التحرك وفقها.
إن من سخرية القدر أن يكتشف المسلم الكثير من الحقائق الموضوعية التي تضمنها دينه، كأساسيات لبناء واقع الحال، باتت مع مرور الزمن أمورا مجرد التفكير بإمكانية الوصول إليها مستقبلاً ضرب من البحث عن المحال، وكم هناك من حقائق كائنة قرآنياً، لا أثر لها في حيز التطبيق والممارسة، ولا وجود حتى لحماس فكري لدى المسلمين، في الاعتماد عليها، بالتخطيط لما ينبغي أن يكون في المستقبل!

أترك تعليقاً

التعليقات