فقه الكرامة في القرآن
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
القرآنُ كتابُ هدايةٍ. تلك القاعدة التي لطالما أكد عليها الشهيد القائد (ر) وهو يبني النواة التي بموجبها تتكون الأمة الشاهدة الناصرة لله، والمنطلقة في سبيله.
ثم يؤكد (ر) في أكثر من موضع أن: هذا القرآن؛ كتاب حياة وحركة ووعي ونهوض وتقدم. وما دام كذلك فمن الخطأ أن نقرأه بعين الماضي، أو نحاكمه بنصوص الفقه التي كتبت على هوامش الملوك، لا في هواء الحرية الذي تتنفسه الفطرة السليمة، ويفتح له أكثر من باب مبدأ الوحدانية الخالصة.
وهكذا يتبين؛ أن الدين يصنع أحراراً لا عبيداً، لذلك فإنّ كثيراً ممن يتحدثون عن علاقة الإسلام بالعبودية يحمّلون النص ما لم يقل، ويقفون عند ظاهر الحروف دون أن يدركوا أن القرآن لم يأتِ ليبني أسواراً جديدة، بل ليهدم القديمة ببطء الحكمة ورفق الإصلاح.
فالعبودية كانت واقعاً بشرياً قديماً يسبق الإسلام بقرون، وكانت سائدة في كل الحضارات من فارس إلى روما إلى العرب. جاء القرآن فلم ينشئ الظاهرة، بل واجهها من الداخل، كمن يدخل بيتاً مظلماً فلا يصرخ في الناس بالخروج منه فوراً، بل يبدأ بإشعال المصابيح واحداً تلو الآخر حتى يرى الجميع الباب. هذا هو منهجه في الإصلاح: لا الصدمة، بل الوعي.
ولذلك لم يبدأ بتحريم الرق بقرار قاطع، بل جعل التحرير ذاته عبادة. رفع “فكّ الرقبة” إلى مصافّ البر الأعظم، ووضعه في سورة البلد في سياق تجاوز «العقبة»، تلك العقبة التي تفصل بين أنانية الذات وإيثار الإنسان لغيره. ثم ربط العتق بالتكفير عن الخطايا: من قتلٍ خطأً، أو ظهارٍ، أو يمينٍ، حتى صار كل ذنبٍ في الأرض يُكفّر بتحرير إنسانٍ في السماء. لم يكن ذلك تشريعاً للرق، بل ثورةً صامتة عليه، تُطهّر النفس بالحرية، لا بالعبودية.
وتجلّى البعد الإنساني أكثر حين جعل القرآن للعبد حقّاً في أن يطلب حريته، بل أوجب على سيّده أن يعينه عليها، فقال: «فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم». لم يكن هذا النص إصلاحاً اجتماعياً فحسب، بل تأسيساً لفكرة الحقوق الفردية التي لم يعرفها التاريخ قبلها. فالإسلام لم يضف باباً في فقه الرق، بل فتح بابا جديداً اسمه فقه الكرامة.
وحين ذكر “ملك اليمين”، لم يكن ذلك تشريعاً للغزو أو امتلاك الجسد، بل تقنيناً لوضعٍ قائمٍ في زمنٍ كان السبي فيه فوضى، والمرأة الأسيرة فيه غنيمة للغزاة. جاء الإسلام فحاصر الفوضى بالأحكام، وضبطها بالرحمة، وشرع طريق العتق والمكاتبة والتكفير حتى انطفأت النار من تلقاء نفسها. وعندما زال سبب الرق من الوجود، زال الحكم بزوال علّته، لأن التشريع القرآني لا يعيش خارج مقاصده الكبرى.
إن الاتجاه العام في القرآن واحد وواضح: من عبودية الإنسان للإنسان إلى عبوديته لله وحده. ومن هذا الأصل انبثق الإعلان الإلهي الأول لكرامة البشر: “ولقد كرّمنا بني آدم”. لم تكن الكلمة وصفا، بل ميثاقاً سماوياً يضع الكرامة فوق كل انتماءٍ أرضي، ويجعل الإنسان قيمةً بحد ذاته، لا سلعةً في سوق، ولا أداةً في يد أحد.
ولأن الله أراد الحرية أصلاً في الخلق، جعلها شرطا في الإيمان، فلا عبادة بلا إرادة، ولا إيمان يُنتزع قسرًا. ولهذا فإن كل عبودية -سياسية كانت أم اقتصادية أم فكرية- هي نقيض المقصد الإلهي، مهما تزيّنت بالفتوى أو تسترت براية الحق.
فالعبودية ليست نظاما اجتماعيا في ميزان القرآن، بل سقوط في الوعي الإنساني، والحرية ليست منحة من أحد، بل صفة الوجود نفسه.
ومن لم يفهم هذا المعنى، سيقرأ القرآن وكأنه وثيقة من الماضي، لا مشروع أبدي للكرامة.
القرآن لا يتحدث عن تحرير الأجساد فقط، بل عن تحرير الوعي، عن تلك اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن السجود لا يليق إلا بربّه، وأن الانحناء لغير الحق، مهما تبرّر، هو أول أشكال الرق.
لذلك لم يأتِ الإسلام ليشرعن العبودية، بل ليعيد تعريف الحرية.
لقد جاء ليقول للبشر: لا تبيعوا أنفسكم تحت أي سلطان، فأنتم مكرّمون منذ البدء، ومحرّرون منذ الخلق، والله وحده هو المالك الذي لا يستعبد، بل يحرّر.

أترك تعليقاً

التعليقات