مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لكي نعرف طبيعة بنى ومكونات وأدوات العالم الرقمي: نحتاج إلى عمل فكري يقرأ الظاهرة بأدواتها المنهجية لا بشعاراتها. ومن هنا؛ كانت هذه المادة، كمحاولة أولية متواضعة في هذا الحقل؛ أو لنقل: كانت القطرة التي حاولنا صبها في هذا المحيط المترامي الأطراف؛ والنقطة الضأيلة التي نحاول من خلالها تحديد المسار الصحيح؛ في الوقت الذي تشعبت فيه الطرق، وتعددت المنطلقات حتى بات التيه هو قدر السالكين الحتمي. ولا بد من التأكيد هنا على: أن ما تضمنته هذه الوريقة ليس إلا نتاج لجهد باحثين ومفكرين كثر، وما أنا سوى حاصد لما زرعوه؛ ومعماري يستعمل ما صنعوه من لبنات فكرية في بناء مادته.
وعليه؛ ليس الحديث عن التكنولوجيا. فالتكنولوجيا ليست قدراً، بل الحديث هنا عن علاقة اجتماعية متجمدة في شكل أداة. لذا يجب الحديث عن علاقات الملكية التي تحدد لمن تذهب الأداة، ومن يُضرب بها، ومن يجني ثمار الضرب.
مع العلم أنك حين تقف مع المدرسة البرجوازية، حتى في أكثر صورها نقدية كشوشانا زوبوف، تقرأ رأسمالية المراقبة كأزمة أخلاقية، كـ»تجاوز» أخلاقي لشركات جشعة، كـ»انحراف» عن رأسمالية جيدة، كـ»أزمة خصوصية». وهذا تحليل مثالي يفصل الظاهرة عن أساسها المادي، ويحول الصراع الطبقي إلى صراع قيمي. لذا علينا ألا نبدأ من الأخلاق ولا من القانون ولا من النوايا، بل نبدأ من نمط الإنتاج. وإذن فسؤالنا المنهجي ليس: ماذا تفعل غوغل أو سواها؛ بنا؟ بل: ما هي علاقات الملكية التي تسمح لغوغل وسواها بأن تفعل كلما فعلته وستفعله؟ ما هي القوى المنتجة الجديدة التي نشأت؟ وما هي علاقات الإنتاج التي قامت عليها؟ وما هي البنية الفوقية -القانونية والأيديولوجية والثقافية- التي تبررها وتجعلها تبدو طبيعية وأبدية؟
ولكي نصل لكل هذه الأجوبة: كان لزاماً علينا الأخذ بمنهجية مركبة من عدة مناهج:
أولاً: المادية التاريخية. نرى التاريخ كتعاقب أنماط إنتاج، كل نمط يبني مادته الخام، وشكل استغلاله، وطبقاته، ودولته، وأيديولوجيته. وهنا سندرك: أن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ، بل طور من أطواره، وطور المراقبة ليس نهاية الرأسمالية، بل طورها الإمبريالي الأعلى.
ثانياً: الجدل المادي. لكي نستطيع أن نرى التناقض المركزي لعصرنا: قوى الإنتاج صارت اجتماعية وكونية بلا سابقة: مليارات البشر ينتجون لغة وعلاقات ومعرفة يومياً عبر تعاونهم. بينما علاقات الإنتاج بقيت خاصة واحتكارية بلا سابقة: ثلاث شركات سحابية تملك أكثر من ثلثي الحوسبة الكوكبية. إنتاج اجتماعي، استحواذ خاص. هذا هو التناقض الذي سيفجر الطور الحالي كما فجر ما قبله.
ثالثاً: نقد الاقتصاد السياسي. لا نرى الاقتصاد كأرقام محايدة، بل كعلاقات قوة. لا نرى السلعة كشيء، بل كعلاقة اجتماعية بين الناس تظهر كعلاقة بين الأشياء.
وعلى هذا الأساس المنهجي، نستطيع فهم رأسمالية المراقبة؛ التي ليست انحرافاً عن الرأسمالية ولا تشويهاً لها، بل هي الرأسمالية وقد بلغت منطقها النهائي. حين استنفدت الأرض كمنجم، والطبيعة كمشاع، والعمل المأجور كفائض، لم يعد أمامها إلا أن تستعمر ما لم تستعمره من قبل: الحياة نفسها، الخبرة الإنسانية ذاتها كمادة خام مجانية.

التراكم الأصلي من الأرض إلى الذات
يعلمنا التاريخ أن كل رأسمالية تبدأ بجريمة تأسيسية تسمى التراكم الأصلي Primitive Accumulation: عملية سطو منظمة ومشرعنة على المشاعات، تحويل ما كان مشتركاً إلى ملكية خاصة بالقوة. ففي إنجلترا القرن السادس عشر، كان التراكم الأصلي هو تسييج الأراضي المشتركة وطرد الفلاحين منها. فخُلق لأول مرة في التاريخ فصل طبقي حديث: أقلية تملك وسائل الإنتاج، وأغلبية لا تملك إلا قوة عملها لتبيعها.
في القرن التاسع عشر، كان التراكم الأصلي هو استعمار الجنوب العالمي. نهب قطنه ونفطه وذهبه وقوة عمله الرخيصة. فخُلق تقسيم دولي للعمل: مركز إمبريالي يصنع ويراكم، ومحيط تابع يمد بالمادة الخام ويستورد السلع المصنعة كسوق استهلاكي.
اليوم، في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، نحن أمام تراكم أصلي ثالث، أخطر من سابقيه لأنه غير مرئي. وثقته الباحثة الليبرالية شوشانا زوبوف وسمته «الادعاء الأحادي» دون أن تفهم جذره الطبقي. نحن نسميه باسمه المادي التاريخي: تسييج الذات وتأميم السلوك.
فما الذي تم تسييجه؟ ليس حقلاً ولا منجماً، بل سلوكك. كل نقرة، كل تردد قبل الكتابة، كل رسالة كتبتها ومسحتها ولم ترسلها، كل ثانية تتوقف فيها عند صورة حزينة ثم تتجاوزها، كل علاقة صداقة، كل بحث، كل طريق تمشيه. هذا السلوك كان حتى الأمس مشاعاً إنسانياً، جزءاً من الحياة اليومية، بلا قيمة تبادلية، بلا ثمن، أما اليوم فقد صار سلعة.

أترك تعليقاً

التعليقات