مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
في بلد أنهكته الحرب العدوانية وتبعاتها وآثارها؛ وظل معلقاً بين خيارين: إما الموت بالقصف؛ أو الموت تحت الحصار والمرض والجوع؛ وابتُلي بوجود «مزرين» وعديمي ضمير في منظومة السلطة؛ قادته إلى الشعور بالانهيار الكلي. وأخطر ما قد تحتاج معرفته اليوم هو: انهيار العقل؛ واجتثاث كل ما يصنع مجتمع مفكر. نعم؛ لا أحد يغلق المدارس بالضبة والمفتاح. لا أحد يعلن رسميا أنه ضد العقل. كل شيء يتم بهدوء، بقرار صغير هنا وقرار صغير هناك، حتى نكتشف بعد سنوات أن جيلا كاملا قد تغير. لم نعد نربي مواطنين يسألون. صرنا ننتج أتباعا يرددون ما يُملى عليهم.
هذه ليست مصادفة. هذه هندسة.
حين ترى الطالب لا يحلم بأن يكون مهندسا أو طبيبا أو عالما، وحين تراه محصورا بين خيارين فقط: أن يصبح جنديا أو حارسا أو مرافقا، وحين ترى الأقسام قائمة لكنها خاوية، تعرف أن السؤال لم يمت وحده. لقد تم قتل الروحية القادرة على أن تسأل.
فلماذا نخاف السؤال؟ لأن السؤال مكلف. السؤال يفتح ملفات. يسأل عن الدليل قبل التصفيق. يسأل عن المصلحة قبل الشعار. يسأل فيربك الخطاب الجاهز. ونحن نعيش في زمن الخطاب الجاهز. خطاب لا يطلب منك أن تفهم بل أن تسلم. لا يطلب منك أن تناقش بل أن تردد. لا يسألك ماذا ترى بل يملي عليك ماذا يجب أن ترى.
أنا هنا؛ لا أبحث عن إثارة جدل؛ ولست ضد الدين. ولست ضد الحفظ. ولست ضد أن يتعلم الطفل أصوله. لكني ضد الخلط المتعمد بين تربية الضمير وتربية العقل. الضمير يسأل ما هو الصواب. والعقل يسأل لماذا هو الصواب وما الدليل وما البديل. حين تقتل السؤال الثاني يبقى عندك إنسان ساذج بلا بوصلة. يحفظ الكثير ولا يفهم شيئا. مستودع لا نافذة.
ولأننا فقدنا البوصلة؛ فقد صرنا نعوض عن هذا النقص بمزيد من التخبط والهدم؛ ولا غرابة: ففي لحظات العجز الجماعي يجد المجتمع دائما متسعا لشيء واحد: مراقبة المرأة. نفتش في لباسها وفي منشورها وفي خروجها وفي صمتها. وكأن مستقبل اليمن كله معلق على هذه التفاصيل. وكأن الفساد والجوع والحرب والانهيار التعليمي قضايا ثانوية أمام طول العباءة ولونها؛ ونوع الجلباب وسمك قماشه أو رقته.
فهل هذا هو الدين؟ هذا ليس تدينا. هذا هروب. هذا اعتراف بأننا لا نحتمل فكرة إنسان مستقل. وهنا تلتقي الدوائر. الطفل المطلوب منه أن يحفظ ولا يسأل. المرأة المطلوب منها أن تطيع ولا تختار. المواطن المطلوب منه أن يقبل ولا يعترض. الطالب المطلوب منه أن ينقل ولا يفكر. كلهم يدرسون في المدرسة نفسها. وعنوان الدرس واحد: «لا تثق بعقلك. هناك من يفكر عنك». وهذه هي المادة الخام لكل استبداد.
فالسلطة الذكية لا تحتاج إلى منشور يقول لا تفكر. يكفي أن توزع الوصاية. الأب وصي على أولاده. الزوج وصي على زوجته. الشيخ وصي على أتباعه. القبيلة وصية على أفرادها. الحزب وصي على مناصريه. وفي القمة تجلس السلطة كوصي أكبر. حينها يبدو الاستبداد طبيعيا. لأنه لم يهبط من السماء. لقد نبت من عاداتنا اليومية.
إن الخوف من سياسة التجهيل منطقيٌ؛ والتجهيل لا يحتاج بيانا رسميا. يكفي أن تضعف أدوات التفكير. يكفي أن تجعل المعرفة بلا قيمة سوقية. يكفي أن تجعل السؤال مكلفا اجتماعيا. يكفي أن تترك الناس فقراء إلى الحد الذي يصبح فيه التفكير في الغد ترفا لا يملكون له وقتا. يكفي أن تغلق أمامهم كل الأبواب ما عدا باب المعسكر. ثم تسألهم: لماذا لا تنتجون عقولا؟
من يملك المدرسة والجامعة والمنبر والإعلام والشارع يملك الإنسان. يستطيع أن يفتح أمامه طريق العقل. ويستطيع أن يردمه. يستطيع أن يجعل السؤال فضيلة. ويستطيع أن يجعل الطاعة فضيلة. لذلك لا تقرأ السياسة من الشعارات. اقرأها من النتيجة.
انظر إلى أجيال تخرجت ولا تجرؤ على سؤال. انظر إلى أقسام حية لكنها مهجورة. انظر إلى شباب لم يتح لهم حتى حلم أن يكونوا مهندسين أو أطباء أو علماء. انظر إلى سوق معرفي يبيع اليقين ويشتري الصمت. انظر إلى خطاب عام يستهلك طاقة المجتمع في قضايا فرعية ويترك القضايا المصيرية. وحين تتراص كل هذه المؤشرات في اتجاه واحد يصبح من السذاجة أن نقول مصادفة.
أنا لا أطلب ورقة مسربة. أنا أرى المقدمة. وأرى الطريق. وأرى النهاية.
السؤال ليس عن مادة دراسية. وليس عن خطاب. وليس عن امرأة. السؤال هو: من يملك حق التفكير؟
هناك فرق بين أن تربي إنسانا يعرف كيف يفكر، وبين أن تربي إنسانا يعرف بماذا يجب أن يفكر. الأول حر حتى لو اختلف معك. والثاني تابع حتى لو صفق لك. والفرق بينهما ليس مناهج فقط. الفرق بينهما مستقبل وطن.
وطن ينتج عقولا تسأل فينجو. أو وطن ينتج أتباعا يرددون فيهلك. اليمن لا تحتاج إلى مزيد من الإجابات الجاهزة. اليمن تحتاج إلى عقول تعرف كيف تسأل. وحين نعيد للسؤال هيبته ستعود للأقسام طلابها، وسيعود للشاب حقه في أن يحلم بأن يكون طبيبا أو مهندسا أو عالما، وستعود للدولة هيبتها الحقيقية: أن تصنع إنسانا يملك نفسه.

أترك تعليقاً

التعليقات