إنها الدينُ كلُه
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
القلبُ نابضٌ باسمه؛ والدمُ يأخذُ البيعة له من كل خلايا الجسد. لأنه الحسينُ؛ الذي اختط بدمه الطاهر مهمةَ كل حرٍ في الحياة القائمة أصلاً على الصراع الدائم بين الحق والباطل، وفضح بحركته وسلوكه وكلماته منذ الخطوة الأولى من بدأ المسير، حتى آخر نفسٍ أطلقه بعد معانقة الشهادة؛ وقبل رقي روحه الدرجات العلى في عالم الملكوت؛ فقهاء السلطات؛ وكهنة المعابد؛ المشترين بآيات الله ثمناً قليلاً؛ والسالبين من عامة الناس حس النباهة؛ وروح المسؤولية؛ والجاعلين من العبادات والطقوس والفرائض وسيلةً لإخراج الناس من رحاب الرحمن؛ بما يشتمل عليه من وحدانية ومحبة وتولٍ واستعداد للفناء في سبيله الذي هو سبيل عباده؛ إلى عبادة السلطان؛ وتعظيم شعائره، بصورة أقرب إلى تأليهه.
لذا كان خروجه من مكة يومَ الثامن من ذي الحجة؛ رسالةً بالغة الحجة لكل مَن يقصد القرب من الله بحج بيته؛ تاركاً المحرومين والمستضعفين الذين جاء الدين لحمايتهم نهباً لأيادي الفراعنة سلاطين الجور وملئهم؛ يتقاذفونهم ذات اليمين وذات الشمال، ويثقلون عليهم بالجبايات، ويصادرون حقهم في الاختيار واتخاذ القرار في ما يتعلق بحياتهم ومصيرهم، ويُعملون فيهم سيوف الظلم، وسياط العبودية، وقيود العقول قبل قيود وأغلال اليدين والقدمين؛ فلا تراعى لهم ذمة، ولا يحفظ لهم حق، ولا تصان لهم حرمة في عرض ومال ودم.
هنا؛ نهض الحسين ليقول: ما قيمة التلبية لرب الناس؛ من قبل حجيج أضاعوا حق الله في عباده وبلاده؟ وما فائدة إحرام مَن لم ينكر على ذوي الجاه استباحة حرمات الناس؟ وأي معنى لأداء جامد لعبادات وفرائض لا تنعكس دلالاتها على تعظيم شعائر الله، التي تحتل الكرامة والحرية وحفظ حق الناس في الوجود والحياة والمصير أول بنودها وقوائمها؟
لقد اتجه الحجيج والعباد والنساك والرهبان في حجهم وصلواتهم وصومهم وزكواتهم إلى طريق غير طريق الله؛ وإن رأيتهم يستقبلون القبلة؛ لأن الحسين علمنا: أن كل عبادة لا تبدأ من الاهتمام بالعباد ولا تنتهي بحمل المسؤولية عنهم؛ فليست سوى عبادة للطاغوت حتى وإن ادعى أصحابها أنهم يعبدون الله. وأن أي التزام بالإسلام، وحمل لراية الوحدانية، واتباع الرسول، وتمثل خطه ومنهاجه وحركته؛ لا يكون أول ما ينعكس من آثارها مجتمعة «العدل» وإقامة الحياة كلها على أساس العدالة؛ فإن ما اعتنقه هؤلاء ليس سوى دين الفراعنة، الذي يقف على النقيض من دين الله.
هكذا يكون الأمر واضحاً لكل ذي لب؛ فالدين الذي كان محمديَ الأساس والنشأة والمنطلق؛ كاد أن يمحى؛ لولا الحسين؛ الذي اكتتب ما تضمنه الوحي، وبلغه الرسول (ص) بدمه؛ فكان الإسلامُ حسيناً؛ والحقُ حسيناً؛ إذ روى عوامل عودته وبقائه وتعميمه على العالمين بتضحيته وقرابينه؛ هنالك استقام للناس المعنى، واستعادت الفطرة مكانتها في النفوس، وبطل سحر كل الفراعنة إلى الأبد؛ مهما فعلوا! وكُشِف الغطاءُ للإنسانية قاطبة؛ ليرى كل جيل حقيقة إسلام التجار، وإسلام الثوار؛ ويصبح كل فرد واعياً لطبيعة الفرق والاختلاف بينهما؛ وبالتالي يختار ما يشاء: فإما أن يختار إسلام محمد؛ الباقي بفضل الحسين وثورته؛ وإما أن يسلك مسلك قريش؛ فينتهي لاعتناق إسلامٍ تواضع عليه التجار والكهنة والفراعنة؛ وتوارثوه عبر الزمن.
خلاصةُ القول: إن كل عبادة أو فريضة أو عقيدة أو ثورة؛ لا تأتم بالحسين؛ فهي عين الباطل. وإن كل بيتٍ من بيوت الله؛ من آخر مسجد بني اليوم إلى البيت العتيق؛ لا يمر قاصدوه من كربلاء؛ ولا يعودون منه إليها؛ فهي: «مساجد ضرار». لأن كربلاء هي التي تهب الأشياء المعنى والقداسة. لا تعجب؛ فالدين كله كربلاء.

أترك تعليقاً

التعليقات