هل هناك نجاة؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا تموت الفكرة حين يقاتلها أعداؤها؛ بل تزداد قوة وفاعلية؛ لكنها تموت حين يخذلها أبناؤها.
وهنا تقع «خيبة الظن». تلك التي لا تُدفن مع الشهداء، بل تعيش في صدور الأحياء.
لا تموت الفكرة بضربة واحدة. تموت بالتقسيط.
تموت حين يتحول الشعار إلى ديكور، والدم إلى رقم في بيان، والتضحية إلى مادة دعائية.
تموت حين يصبح لسانها معقوداً.
نصرخ بها في الداخل ونصمت بها أمام العالم.
نرفعها راية في الساحات، وندفنها في الممارسة اليومية.
وتموت حين نصدق وهم «كثرة المنابر».
10 قنوات، 100 صفحة، آلاف الهاشتاجات... وكلها تعرض نفس «المسلسل».
نتحدث مع أنفسنا ونسميه إعلاماً.
نخاطب قاعة مغلقة ونسميه خطاباً للعالم.
الفكرة لا تموت لأن أحداً هاجمها.
تموت لأننا حبسناها في عباءة ضيقة، ورفضنا أن تتشكل «متلونة على ألسنة غيرنا».
خيبة الظن لا تأتي من العدو. العدو متوقع.
خيبة الظن تأتي حين تكتشف أن من رفع الراية تركها ترف فوق هشيم ممارسته.
وحين تكتشف أن من قال «أحب الفكرة» كان يبيعها في سوق المساومات.
خيبة الظن هي أن ترى الدم يُقدم عربوناً لحلم، ثم ترى الحلم يُؤجل باسم «المرحلة».
أن ترى الناس تصبر وتضحي، ثم تكتشف أن الخطاب عن الوطن في العلن، والفعل ضده في التفاصيل.
وهنا يحدث أخطر شيء:
يتحول السؤال من «كيف ننتصر؟» إلى «لماذا صدقنا؟».
ومن «ما العمل؟» إلى «هل كنا مخطئين من البداية؟».
«الإعلام لا يستطيع إصلاح أخطاء الساسة».
لأن الإعلام مرآة. إن كان المنعكس صخوراً فلن ينعكس زهور.
وكلما حاولت تلميع الصورة بالعناد، ازداد القبح وضوحاً.
خيبة الظن تبدأ حين نكتشف هذه الحقيقة متأخرين:
أن الفكرة التي لا تُترجم إلى عدل ورخاء وكرامة، هي مجرد خطاب.
وأن الولاء الذي لا يُختبر بالمراجعة والنقد، هو مجرد تعصب.
هل هناك نجاة؟
نعم. لكنها مؤلمة.
النجاة تبدأ بـ«الحساب» قبل «القرار».
أن نسأل كل مساء: ماذا ترجمنا اليوم من الفكرة؟
النجاة أن نعترف: الولاء الحقي هو أن تعيش للفكرة لا منها.
أن تخدمها لا أن تستعبدها. أن ترفعها فوق حزبك ومذهبك واسمك.
وأن يكون لديك شجاعة قول «أخطأنا» قبل أن يقولها التاريخ عنك.
والنجاة أن نخرج من القاعة.
العالم لن يسمعك لأنك أنت المتحدث.
دع الفكرة تخرج على لسان الضحية، والحقوقي، والموجوع. دعها تحيا خارجك.
موت الفكرة ليس نهاية العالم.
لكن موتها مع خيبة الظن... هي جنازة مزدوجة.
جنازة للحلم، وجنازة للثقة.
والشعوب التي دفعت من دمها لا تستحق جنازتين.
لذلك إما أن نحيي الفكرة بالصدق والمراجعة والترجمة، وإما أن ندفنها بكرامة، ونصمت احتراماً لمن ماتوا لأجلها.

أترك تعليقاً

التعليقات