روح الثورة: كل ثورة
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا يتحقق نجاح الثورة -أي ثورة- إلا من خلال دور القائد المشتبك. ودور القائد المشتبك ليس إدارياً ولا وظيفياً، بل دور وجودي، على درجة قصوى من الخطورة، لأنه إما أن يعبر بالأمة البحر أو يغرقها فيه. والقائد الثوري المشتبك هو: ذاك الذي يمتاز بعدة سمات وخصائص أهمها:
أنه لم يأت من خارج الحركة الثورية، بل هو الباني لها، والمنظِّر: مؤسس المشروع وصاحب المدرسة الذي يكتب كتاب الثورة الصامت.
إن علاقة الجماهير به ليست علاقة جندي بقائد، ولا تابع بمتبوع. إنها علاقة مؤمن بنظرية، ومريد بمدرسة، وحواري برسالة.
فهو لا يُنتخب، لأنه لا يملك موقعاً انتخابياً، ولا يُنصّب، لأنه لا يملك موقعاً تعيينياً. سلطانه ليس من صندوق اقتراع ولا من مرسوم سلطان، بل من منطق رسالته، وحقيقة أفكاره، وصدق مدرسته.
الناس لا تتبعه لأنه قوي، بل لأنه صادق. تتبعه لأنها تجد في كلماته تفسيراً لجرحها الغامض، وتجد في مدرسته خلاصاً ليأسها المزمن.
فإذا عرفت الجماهير أحقية هذه الأفكار، ووعت أهميتها العلمية والأخلاقية، استتبع ذلك إيماناً به، وحباً له، وتعصباً والتزاماً ومواكبة وتضحية في سبيله.
وظيفته التاريخية إذن: أن يحول السخط المبعثر إلى فكر منظم، والفكر المنظم إلى عقيدة مقاتلة. هو الذي يحول الألم إلى وعي. هو الذي يكتب كتاب الثورة أو برنامجها.
وهو إلى جانب كل ذلك: القائد البطل الذي يحول المشروع إلى واقع.
فإذا كان هو منظِّر الثورة، وكاتب برنامجها في كتاب صامت، فإن عليه أن يجعل من هذا الكتاب إنساناً يمشي على الأرض، فيكون هو كتاب الثورة الناطق.
فهو الوجه المعبر عن الفكرة، والبطل والقائد العام لعمليات الثورة. يظهر في التاريخ الثوري كله؛ لأنه المنظِّر والتجلي للفكرة في ميدان التجربة والحس. فعلى يديه ينضج الفكر، وتُبنى الدولة. وهو الجسر بين العقيدة والسلطة.
وظيفته التاريخية أن يصمم، على أساس أيديولوجيا ثورية وفي مجتمع ثوري، أسلوب تحقيق الثورة وانتصارها السريع.
وهو في الغالب ذو موقع اجتماعي رفيع ومعتبر، وذو نبوغ ذاتي ومواهب إبداعية خارقة. وهو يرى الظروف الاجتماعية القائمة -ككل نفس ثورية أصيلة- شيئاً مقززاً لا يطاق ولا يمكن التعايش معه لحظة واحدة.
ولا يتبوأ موقع القيادة بمرسوم، بل بعد أن يحرز شعبية كاسحة بين الفئات الثورية، فيمارس بعدها دوراً مصيرياً في مسار الأحداث والتحولات ويؤثر فيها تأثير مطلق.
وعبقريته القصوى تكمن في أنه يبث الروح في كلمات المدرسة الفكرية بكل قوة وحكمة، ويمنح الحركات الثورية شكلها بتصوراته. فتمتزج به إيديولوجيا الثورة امتزاج الروح بالجسد.
أما عمله الميداني فهو عمل الجراح والربان في آن واحد: فهو الذي يحدد استراتيجية الثورة وتكتيكاتها، ويعبئ قواها، ويتخذ مواقفها، ويصوغ شعاراتها العملية، ويقيم بدقة مرعبة ميزان القوى، والبيئة، والإمكانات، والظروف، والتيارات الفاعلة والمشتبكة.
إنه روح الثورة: فهو وحده الذي يخرج الثورة من الكمون إلى الفعل، ويمنح الشعب حق الحكم، ويضفي الشرعية على الشخصية السياسية التي ستتسلم زمام الأمور في نظام ما بعد الثورة.
وهو الذي ينقذ الثورة من الطرق المسدودة والمهالك والمهاوي، ويمسك بنبوغه العملي ومواهبه الخاصة دفة المجتمع الثوري، ويكتشف عوامل الهزيمة والصعوبات والمخاطر قبل أن تولد، ليسيطر على مجتمعه وعلى قدره التاريخي، وينتصر بالتالي على العدو ويسير بالثورة صوب النجاح.

أترك تعليقاً

التعليقات