مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
البيطار.. طبيب الخيول وحارس نبض الطريق

حين كانت الخيول سيّدة الطرق، ورفيقة الأسفار، وسند الفرسان، كان البيطار رجلاً لا يقل شأناً عن الطبيب والحكيم.
يقف عند أقدام الخيل كما يقف الجرّاح عند قلب المريض، بيدٍ خبيرة، وقلب رحيم، وعينٍ تعرف الوجع قبل أن ينطق.

بين النار والحديد والرحمة
في ورشته الصغيرة، كان البيطار يشعل النار، ويليّن الحديد، ويصوغ الحذوة بطرقه المتقن.
لكن خلف النار والمطرقة، كانت تختبئ رحمة كبيرة؛ لأن كل ضربة كانت محسوبة كي لا تؤلم الرفيق النبيل.


قارئ خطوات الخيل
كان البيطار يفهم الخيل من مشيتها. ينظر إلى وقع الحافر، فيقرأ التعب، ويشمّ رائحة المرض، ويكتشف الخلل قبل أن يتفاقم.
كان طبيباً بلا شهادة، لكن بخبرة عمر.

شريك الفارس في الرحلة
لم يكن البيطار يخدم الخيل فقط، بل يخدم أصحابها، والمسافرين، والفرسان، والتجّار...
فحذوة متقنة كانت تعني طريقاً آمناً، ورحلة ناجحة، وعودة سالمة.

مهنة تُورَّث بالحب لا بالكتب
تعلم البيطار صناعته من أبيه، أو معلّمه، أو شيخ المهنة.
كانت الخبرة تنتقل من يد إلى يد، ومن عين إلى عين، ومن قلب إلى قلب، بلا مناهج ولا قاعات درس.

حين تغيّر الزمن وتراجعت الخيول
مع قدوم السيارات، والآلات، والطرق المعبّدة، تراجعت الخيول، وتقلّص حضورها.
ومعها بدأ البيطار ينسحب بصمت من المشهد، كما ينسحب الغروب عن الأفق.

من البيطار إلى البيطري
حلّ الطبيب البيطري المُجاز محلّ البيطار القديم.
جاء بالعلم، والمختبر، والشهادة، والدواء الحديث، فحفظ صحة الحيوان بأساليب جديدة، أكثر دقة وتنظيماً.
لكن شيئاً من دفء العلاقة القديمة ظلّ مفقوداً.

ذاكرة المطرقة والحافر
بقي صوت المطرقة على الحديد، ورائحة النار، ولمعان الحذوة، صوراً معلّقة في الذاكرة.
بقيت شاهدة على زمن كان فيه العمل يدوياً، والعلاقة شخصية، والمهنة حياة كاملة.

خاتمة:
البيطار لم يكن صانع حذوات فحسب، بل حارس خطوات الخيل، وسند الرحلات، وطبيب الطريق.
وحين ورثه الطبيب البيطري الحديث، لم ينقطع الخيط، بل تغيّر شكله.
انتقل من الخبرة الفطرية إلى العلم المنهجي، ومن الورشة البسيطة إلى العيادة المجهّزة.
ويبقى البيطار رمزاً لزمن كانت فيه المهن تُمارس بالقلب قبل اليد، وبالإخلاص قبل الربح، وبالوفاء للرفيق؛ مهما كان هذا الرفيق صامتاً.

أترك تعليقاً

التعليقات