عن عالم مزدوج ولا أخلاقي
- إيهاب زكي الأحد , 25 أكـتـوبـر , 2026 الساعة 12:26:04 AM
- 0 تعليقات

إيهاب زكي / لا ميديا -
في عالم تتربع على عرشه امبراطوريةٌ غاشمة، بكل ما أُوتيت من جشعٍ وبطشٍ وعدوانية، وتنصّلٍ من أدنى مقومات الإنسانية والأخلاق، يبدو الانطلاق من مقوماتٍ أخلاقية أو إنسانية في المقاربات السياسية، أمراً مغرقاً في السذاجة، أو كأنّه إفراطٌ غير محمودٍ في المثاليات والرومانسية. ومن يتحدث بناءً على هذه المنطلقات، يشعر مستمعوه كأنّهم عثروا على البجعة السوداء أو طائر العنقاء.
وهذه ليست معضلة إيران فحسب، بل هي معضلة محور المقاومة عموماً، وتزداد هذه المعضلة تعقيداً حين يتم تسويغ العقل الجمعي مع مبدأ تناقض الأخلاق السياسية مع المصالح السياسية، وهنا تصبح الأخلاق مهما كانت ركناً ركيناً في المنطلقات السياسية مجرّد سلعة، أو عملية تمويهٍ وخداع، ومهما كانت الوقائع السياسية دالة أو متطابقة مع المنطلقات الأخلاقية، فالأمر محسومٌ سلفاً، كما قال مظفر النواب: «لو أطعمت حمامات العالم من قلبك فأنت مخرّب».
تقوم إيران من منطلقاتٍ أخلاقية وإنسانية -ونستثني المنطلقات الشرعية والدستورية وغيرها لأنّها خارج نطاق المقال- بدعم حركات المقاومة وأحزابها في العالم العربي، المقاومة التي واجهت العدو «الإسرائيلي»، والعدوان الأمريكي المباشر أو غير المباشر عبر التنظيمات التكفيرية. وهنا يبرز السؤال البديهي، الذي يريدون تسويغ إجابته بما يتناسب مع العدوان، هل هذا الدعم ذو المنطلقات الأخلاقية والإنسانية يتعارض مع المصالح الإيرانية؟
إنّ إيران تدفع أثماناً باهظة منذ قيام الثورة عام 1979 نظير هذا الدعم، بدءاً بالعقوبات والحصار والاغتيالات والاستهداف الأمني والعسكري، وليس انتهاءً بالحرب والعدوان. ولا مسوِّغ لاحتمال كل ذلك غير المنطلقات الأخلاقية، فإيران لم تكن مضطرة لإشهار عدائها لأمريكا و»إسرائيل»، وكان بإمكان الثورة وراثة دور الشاه في السياسة الخارجية، الذي كان على وشك منحِه القنبلة النووية من أمريكا.
ولكن بما أن إيران الثورة انطلقت من هذا المنطلق الأخلاقي والإنساني، فقد أصبحت مصالحها تقتضي دعم كل من يواجه أعداءها. وهنا يبرز تقاطع المصالح بين الطرف الداعم والمدعوم، فقد تقاطعت مصلحة إيران بإبعاد أمريكا عن حدودها، مع المصلحة العراقية بالتحرر من الاحتلال، فقامت إيران بدعم المقاومة العراقية، في تقاطعٍ وتناغمٍ أيضاً بين المصالح والأخلاق، فهل كان من مصلحة العراق أرضاً وشعباً ودولة، تأبيد الاحتلال الأمريكي؟!
ثم قامت بدعم الفصائل العراقية في مواجهة «داعش»، في تطابقٍ بين المصالح والأخلاق، إلّا إذا كانت مصلحة العراق أن يحكمه «داعش»! كذلك بالتطابق الأخلاقي والمصلحي ذاته قامت بدعم حزب الله في لبنان، فهل من مصلحةٍ لبنانية تتعارض مع هذا الدعم اللّا مشروط، البعيد كل البعد عن النفعية السياسية؟! إلّا إذا افترضنا أنّ «إسرائيل» صديقة لبنان الدولة والأرض والشعب ووحده الدعم الإيراني شقّ أواصر القربى وهدم جسور الصداقة!
وهذا الدعم يتمّ في حالة تخلٍّ عربيٍّ مطلق عن حركات المقاومة، فالأنظمة العربية بجيوشها وأجهزتها وإعلامها وأموالها استقالت من الصراع باكراً، بل أصبحت في أغلب سلوكياتها جزءاً من المجهود الحربي الأمريكي و»الإسرائيلي»، وباتت مصالحها في تعارضٍ صارخ مع مصالح الشعوب والدول التي تعاني الاحتلالين، ضاربة عرض الحائط بكل المنطلقات الأخلاقية، وهنا يبدو منطقياً تعارض المنطلقات الأخلاقية والمصلحية لإيران، مع تلك الأنظمة ورعاتها.
المسوغون لهذا التعارض بصفته إدانة لإيران، يحاولون التغاضي عن الدعم الإيراني لحركات المقاومة في فلسطين، ويستثنونه ويتجنبونه قدر المستطاع، فمن ناحيةٍ لأنّه يهدم السردية المذهبية، ومن ناحيةٍ أخرى فهو يكشف عورات تقصيرهم وقصورهم بل وإمعانهم وإفراطهم في التخلي عن قضاياهم والتواطؤ عليها؛ ولكن حين يضطرون للتعريج على هذا الدعم، يضعونه في خانة التمويه، أو المصلحة الإيرانية المجردة، التي تقامر بالمصالح الفلسطينية، وهنا نعيد السؤال ذاته: هل المصلحة الفلسطينية الرضوخ للاحتلال وتأبيده أم مقاومته وزواله؟ ومن الواضح أنّ زوال الكيان مصلحة فلسطينية إيرانية مشتركة.
وهنا تتداخل المعضلة الأخلاقية مع ازدواجية المعايير، في المنطق المعوجّ للمسوغين للمشروع الأمريكي الصهيوني، فيعتبرون أنّ إيران تدعم «مليشيات» خارج الدولة وخارجة على القانون، في لبنان والعراق واليمن. وبعيداً عن اختلاف طبيعة حركات المقاومة التي تدعمها إيران، عن تلك التنظيمات التي تحظى برعايةٍ عربية غربية، فلماذا قامت أنظمةٌ عربية بدعم مليشيات خارج الدولة وخارجة على القانون في سورية وفي ليبيا مثلاً؟ ولماذا أصبح الدعم هنا مشروعاً وأخلاقياً وإنسانياً؟!
بمعنى آخر، ما هي أداة القياس في الحكم على المشروعية؟ هل هي الدولة المجرّدة أم الدولة الموقف؟ ولماذا الدعم العربي لحركات انفصالية ومعارضة مسلحة مدعومة من»إسرائيل» في إيران سلوك أخلاقي فيما دعم إيران لحركات مقاومة عربية لـ»إسرائيل» سلوك غير أخلاقي؟!
وعلى سبيل الإجابة والخاتمة والمحاكاة، فقد أورد الأصفهاني قصة شاعرٍ مغمورٍ اسمه أبو العِبَر، ومن سوء حظّه أنّه جاء في زمن أبي تمام والبحتري، وحينما أيقن ألّا سبيل لمنافسة أبي تمام والبحتري، قرر أن يتحامق، وأصبح يقول من الشعر أحمقه، ويقول هو عن شعره لم أسمع أحمق منه، وحين سؤاله كيف يأتي بهذه الحماقات، قال: أجلس تحت جسر بغداد ومعي القلم والدرج، فأسمع ما يقول الآتي والغادي فوق الجسر وأدوّنه، ثم أقلب الدرج فأكتب الناتج.
وهؤلاء من سوء حظّهم أنّهم جاؤوا في زمن إيران ومحور المقاومة، فأيقنوا أنّهم لا يستطيعون للمنافسة سبيلا، لا على المستوى الأخلاقي أو الوطني أو القومي، ولا حتى على المستوى الإنساني، وعندئذٍ قرروا ألّا سبيل سوى التحامق يأساً.










المصدر إيهاب زكي
زيارة جميع مقالات: إيهاب زكي