مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الزَّيّات.. حارس العصر ورائحة البيوت
قبل أن يصير الزيت معلباً وبارداً ومحايد الطعم، كان له وجهٌ وصوتٌ ويدٌ خشنة.
كان يُعصر أمام الناس، ويُباع بثقة، ويُخزَّن كبركةٍ لا كسلعة. ذلك هو الزَّيّات.

عمل وطقس
رجل يقيس الخير بالقطرة، ويعرف أن الزيت ليس طعاماً فقط، بل ذاكرة.
كانت معصرة الزيت مكاناً نصفه عمل ونصفه طقس.
الحجر يدور ببطء، والزيتون يئنّ تحت ثقله، والرائحة تسبق النظر.
لا استعجال هنا، فالزيت لا يحب العجلة، ومن يستعجله يُفسد طعمه.

* خبرة متراكمة.. بكل أنواع الزيوت
الزَّيّات يعرف الزيتونة كما تعرف الأم طفلها.
هذه مبكرة، وتلك صبورة، وهذه لا تعطي إلا إذا أُكرمت...
كان يفرّق بين زيت الأكل، وزيت الدواء، وزيت السراج، بلمسة إصبع ونظرة عين.

الزيات يزن القلق في العيون
يأتي الناس بثمارهم كما يأتون باعترافاتهم.
هذا يشتكي قلة الموسم، وتلك تخاف الغش، وآخر يسأل: "كم أعطت زيتونتي؟"... والزَّيّات يزن، لا الزيت فقط، بل صدق القلق في العيون.

سنوات خير.. وسنوات صبر 
حين يُفتح الصنبور الأول، يحبس الجميع أنفاسهم.
يسيل الزيت أخضرَ دافئاً، كأنه دم الأرض الطيب.
يغمسه الزَّيّات بإصبعه، يتذوق، ويهز رأسه ببطء: هذه سنة خير.. أو هذه سنة صبر.

الزيت والجوع
لم يكن بائعاً فحسب، بل أمين مخازن البيوت.
يعرف من يملأ جراره للعام، ومن يشتري بالقليل.
وكان يقول: "الزيت إن وُضع في بيت لا يجوع أهله سريعاً".

حين يصبح الزيت دواء
في الشتاء، يتحوّل الزيت إلى دواء.
تدليك للمفاصل، وسراج في العتمة، وملعقة للصدر المتعب...
وكان الزَّيّات يبتسم: "هذا زيت مبارك.. يعرف طريقه في الجسد".

وجاء الزيت مجهول الهوية
ثم تغيّر الزمن! جاء الزيت المجهول الاسم، المتساوي الطعم، الذي لا موسم له ولا حكاية.
أُغلقت المعاصر الصغيرة، وصار الزيت رقماً على رف، لا رائحة له ولا ذاكرة.

خاتمة:
رحل الزَّيّات، وبقي الزيت؛ لكنه ناقص الروح.
بقي بلا يدٍ تعرفه، ولا عينٍ تحرسه.
فبعض المهن حين تنقرض تترك الطعام حيّاً، لكنها تسحب منه دفءَ الحكاية.

أترك تعليقاً

التعليقات