مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
عامل المقسم.. الرجل الذي كان يُدير الأصوات
قبل أن تصبح المكالمة فعلاً غريزياً يتم بضغطة إصبع، كان الصوت يسافر على استحياء، ويتوقف طويلاً عند باب رجل واحد.
عامل المقسم لم يكن موظفاً عادياً؛ كان بوّاب الكلام، ومنسّق اللقاءات الصوتية، وحارس المسافة بين بيت وبيت.
من دون يده، لا يتصل الابن بأمه، ولا يطمئن الغائب أهله، ولا تبدأ حكاية حب خجول في هدأة المساء.

سيّد الأسلاك
كان يجلس أمام لوحة تشبه مدينة صغيرة من الثقوب والمقابس، أسلاك تتدلّى كضفائر عجوز حكيمة، وكل وصلة يثبتها كانت جسراً يُمدّ بين قلبين.
لم يكن يوصل خطوطاً، بل يصل بين أرواح متلهفة.

يعرفهم من أصواتهم
لم يكن يرى المتصلين، لكنه يحفظهم نبرةً نبرة.
هذا صوت التاجر المستعجل، وهذا همس العاشق الذي يخفض صوته كأنه يسرق لحظة، وتلك عجلة أمّ تخشى خبرًا متأخراً. كان الصوت بطاقة هوية لا تخطئ.

صبر من معدن الهاتف
"ألو.. ألو.. الخط مشغول". أسئلة تتكرر، ونفاد صبر يرنّ في السماعة.
وهو، ببرود جميل، يعيد التوصيل، ويعتذر، ويطلب الانتظار، كأنه يقول للحياة نفسها: "رويدك.. كل شيء سيأتي بدوره".

حارس الأسرار
مرّت عليه اعترافات لم تُكتب، وعتابات لو سُجلت لغيّرت مصائر.
كان يسمع، ولا يسمع. يعرف، ولا يعرف. خزان أسرار بلا مفاتيح، وصدراً عاماً لا يُسأل عمّا حمل.

طرائف المقسم
خطأ صغير في وصلة، فيختلط صوت عمٍّ بصوت خطيبة، أو تدخل جدة على مكالمة عمل.
ضحكات تُقفل الخط، وعامل المقسم يبتسم وحده، كأنه المخرج السري لمسرح يومي مرتجل.

زمن الانتظار الجميل
كانت المكالمة تُطلب، ثم تُنتظر.
الانتظار كان جزءاً من المتعة، ومن الاحترام.
لم يكن الصوت مستهلكاً، ولا الكلام فائضاً.
كل جملة محسوبة، لأن وراءها رجلاً ينتظر أن يفرغ الخط.

انسحاب بلا ضجيج
ثم جاء الهاتف الآلي، فخرج عامل المقسم من المشهد بهدوء. لا جنازة، ولا خطاب وداع.
اختفى كما يختفي عازف كمان بعد انتهاء المقطوعة، ويبقى اللحن في الهواء.

خاتمة:
عامل المقسم لم يكن تقنية صناعية، بل زمناً كاملاً له إيقاعه وأخلاقه؛ زمناً كان الصوت فيه حدثاً، والاتصال لقاءً، والانتظار قيمة.
واليوم، حين نتصل بلا وسيط، لا ندرك كم كان ذلك الرجل يُمسك العالم من أسلاكه كي لا يتشابك أكثر مما ينبغي.

أترك تعليقاً

التعليقات