فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
لقد فتحت الرياض بقصفها مطار صنعاء الدولي الباب واسعاً أمام مرحلة مختلفة كلياً من الصراع، مرحلة ستكون صنعاء فيها هي من يمسك بزمام المبادرة ويحدد إيقاع الرد وإطار المعركة، ويعيد رسم خريطة الاشتباك الإقليمي برمتها من موقع القوة لا من موقع رد الفعل.
إن ما حدث لم يكن مجرد انفجار صواريخ عدوانية في مدرج مطار، بل كان انفجاراً لكل الأقنعة التي كانت تحاول الرياض أن تختبئ خلفها، وكان انكشافاً كاملاً لحقيقة أن النظام السعودي لا يفهم إلا لغة القوة، وأن رهان صنعاء الاستراتيجي على الصبر وبناء القدرات وترسيخ الصمود كان الرهان الصائب الذي أثبتت الأيام صحته، بينما أثبتت الرياض أنها لا تزال أسيرة عقلية عدوانية لا تعرف إلا التدمير ولا تجيد إلا لغة الوصاية والإملاءات.
إن مطار صنعاء الدولي، هذه المنشأة المدنية التي يتنفس منها اليمنيين هواء العالم، لم يستهدف لأنه هدف عسكري أو لأنه يشكل تهديداً لأمن السعودية كما تزعم، بل استهدف تحديداً لأنه واجهة سيادة الدولة اليمنية المستقلة التي تمثلها صنعاء.
لقد أرادت الرياض بقصف المطار أن تقول لصنعاء إنها لن تسمح لها بأن تصبح بوابة اليمن إلى العالم، لأن ذلك يعني انتزاع شرعية "الوصاية" السعودية على القرار اليمني برمته.
وهنا تكمن الحقيقة التي لم تعد تخفى على أحد: الحرب على اليمن ليست حرباً على من أسموهم "الحوثيين" كما تزعم الدعاية السعودية، بل هي حرب على اليمن نفسها، حرب على صنعاء التي أبت أن تكون تابعة، وعلى دولة مركزية قوية ترفض أن تكون تحت الهيمنة، وعلى مشروع وطني يمني مستقل يزعج الرياض، لأنه يثبت أن في الجوار من لا يقبل أن يكون تابعاً.
وعليه فإن صنعاء ستنطلق اليوم من قاعدة صلبة مفادها أن ما قبل قصف المطار ليس كما بعده، لا في العقل الاستراتيجي للقيادة، ولا في الحاضنة الشعبية التي رأت بأم عينيها كيف يتم استهداف رئتها التي تتنفس منها، ولا في بيئة الردع التي كانت قائمة.
لقد انتقلت صنعاء بهذا القصف من حالة "إدارة المعركة" إلى حالة "حسم المعركة"، وأدركت بما لا يدع مجالاً للشك أن الرياض لا تريد سلاماً ولا تفاوض بجدية، وإنما كانت تستخدم سنوات الهدنة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع، وأن كل حديثها عن "خارطة الطريق" و"التهدئة" لم يكن سوى غطاء دبلوماسي هش لمشروعها الحقيقي القائم على التجويع والحصار والتدمير.
ومن هنا، فإن الاستراتيجية اليمنية القادمة لن تقوم على انتظار ما ستسفر عنه جولات التفاوض أو ما ستقدمه الضمانات الأممية المنهارة، بل ستقوم على قاعدة جديدة تماماً عنوانها الأبرز: "أنت من بدأت، ونحن من سننهي، لكن بشروطنا لا بشروطك".
الرد القادم من صنعاء لن يكون رداً تكتيكياً على حادثة عابرة، بل سيكون ترجمة عملية لعقيدة استراتيجية جديدة تقوم على معادلة "المطار بالمطار، والعمق بالعمق، والمنشأة الحيوية بالمنشأة الحيوية". لقد آن الأوان لكي تدرك الرياض أن الزمن الذي كانت تستطيع فيه أن تقصف وتعربد دون أن يصلها الردع قد ولّى إلى غير رجعة، وأن صنعاء التي صمدت ثماني سنوات في وجه أعتى تحالف كوني، والتي خرجت من الحصار أقوى مما دخلته، قادرة الآن على أن تجعل من عمق المملكة كلها ساحة مفتوحة للرد، لا في المطارات والمنشآت النفطية فحسب، بل في كل نقطة حيوية تشكل شريان الحياة للنظام السعودي.
إن التطور النوعي في القدرات العسكرية اليمنية، والذي أثبتته السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد أداة دفاعية لحماية العاصمة صنعاء، بل تحول إلى قوة ردع هجومية يمكنها أن تشل حركة الحياة في العمق السعودي بكامله في اللحظة التي تقرر فيها صنعاء ذلك.. والأهم من هذا كله أن قصف الرياض للمطار حرر صنعاء نهائياً من أي التزامات أخلاقية أو سياسية أو قانونية إزاء نظام أثبت أنه لا يحترم العهود ولا يفهم لغة الحوار.
إن الشرعية التي تستمدها صنعاء اليوم للرد ليست شرعية القانون الدولي الذي عجز عن حماية مدرج مطار من القصف فحسب، بل هي شرعية أعمق بكثير: شرعية الضحية التي تحولت إلى قادرة.. وشرعية المحاصر الذي كسر الحصار ويستعد لردعه.. وشرعية من يدافع عن كرامة شعب لا عن مصالح فئة.. وشرعية التاريخ الذي سيكتب أن صنعاء انتصرت في معركة الوجود والسيادة رغم تخلي العالم عنها.
إن الرياض التي تراهن اليوم على أن العالم سيغض الطرف كما غضه من قبل، نسيت أن صنعاء لم تعد تراهن على العالم، بل تراهن على سواعد أبنائها، وعلى قدرتها في إيصال رسالة الردع إلى حيث يجب أن تصل، وعلى زمن جديد عنوانه أن لا حصانة لمعتدٍ، ولا أمان لمن يجرب النيل من كرامة العاصمة التي صارت رمزاً للصمود العربي في وجه الطغيان العالمي.

أترك تعليقاً

التعليقات