من بطون القوى الدينية إلى مفاصل الحركة الشيوعية إلى حواصل الحركة الشيعية .. العنصرية آفة وطنية لا تشيخ
- محمد القيرعي الأحد , 21 يـونـيـو , 2026 الساعة 2:33:46 AM
- 0 تعليقات

محمـد القيرعي / لا ميديا -
في طفولتي التي لا أزال أتذكر بعمق العديد من أحداثها بتفاصيلها الدقيقة، ليس فحسب جراء التعاسة التي وسمتها كـ"مهمش" بائس في محيط اجتماعي فج ومأزوم ومتعثر، وإنما لكونها كانت حافلة أيضا بالكثير من الأحداث والمنعطفات التي كان لها الفضل الأساس في تكوين تركيبتي الشخصية الحالية.. حيث أتذكر بوضوح سنوات دراستي الدينية المبكرة جدا في معلامة القرية التي أكملت فيها دراسة القرآن الكريم وختمه بتفوق مشهود أوائل سبعينيات القرن العشرين، وذلك قبل انتظامي بعدها في المدرسة الابتدائية بصورة اقترنت آنذاك بشغفي المرضي بقراءة قصص الأطفال المصورة، مثل ميكي ماوس وطرزان وغيرها.
وما إن بلغت عتبة الفصل الخامس الابتدائي حتى كان ذلك الشغف بالقصص المصورة قد انتقل إلى شغف أوسع بالكتب والمجلات السياسية المتنوعة والتي كانت متوافرة بكثرة وانتظام خلال تلك الحقبة في ظل طفرة الثقافة التي عمت المشهدين السياسي والأدبي والفكري الوطني بصفة عامة بالنظر إلى كم ونوعية المجلات الأسبوعية والشهرية التي كنت أقتنيها بانتظام مثل مجلة "الوطن العربي" ذات التوجه اليساري، والمطبوعة آنذاك في فرنسا، ومجلة "الموقف العربي" ناصرية التوجه، والمطبوعة في قبرص، ومجلة "المجلة" اللندنية و"الدستور" الأردنية و"العربي" الكويتية و"آخر ساعة" المصرية.
الأمر الذي أكسبني ومنذ سني المرحلة الابتدائية قدرا ملحوظا من المعارف والثقافة السياسية التي لفتت أنظار الكثيرين وعلى رأسهم أحد "كرادلة" الإخوان المسلمين من منطقة ذبحان بالشمايتين، والذي كان وكجميع أقرانه من عتاولة الفكر الديني شوفيني النزعة والتوجه ينشطون دون مظلة حركية وتنظيمية وحزبية رسمية ومعترف بها، إن جاز التعبير، لانعدام المناخ الحزبي والمدني الكلي من حياة البلاد السياسية آنذاك، باستثناء تنظيمات العنف الثوري المسلح التي كانت تنشط في الخفاء، على غرار الجبهة الوطنية الديمقراطية.
عموما، كان هذا الإخوانجي معجبا بخصلتين أمتاز بهما، من منظوره الشخصي، الأولى ثقافتي السياسية المتقدمة بكثير على سني كما كان يقول، والثانية براعتي في "لقطة البوري" وهي مهنة مخدمانية لمن لا يعلم، ظلت وعلى امتداد التاريخ العنصري الآثم في بلادنا مرتبطة فقط بفئاتنا وأجيالنا المتلاحقة معشر "أخدام ومهمشي" اليمن، وكان من عادة هذا الإخوانجي اصطحابي معه في العديد من جولات مقيله ولقاءاته الاجتماعية والسياسية الحميمة التي كان يتناوب على ارتيادها ما بين منطقتي ذبحان والتربة إلى المواسط والمعافر اللتين كانتا لا تزالان مرتبطتين إداريا بقضاء الحجرية الذي كان مركزه الإداري مدينة التربة.
وكان يحرص خلال تلك اللقاءات الممزوجة بجلسات المقيل على إشراكي في حواراتهم الجدلية والسياسية والفكرية الدائرة، وفي موضوعات معينة كان يختارها هو بعناية ومحظور علي تجاوزها، وفي حال احتدم الحوار، مثلا، وتوسع في أبعاد ومجالات أخرى، وتجرأت أنا على الخوض فيها ضد إرادته، سرعان ما كان ينهرني وبشكل قاس ومهين اعتاده في أغلب الأحيان، وبأسلوب عنصري تفوقي، مثل الصراخ في وجهي أمام أقرانه بعبارة "قم يا مقرع القط لي بوري مضبوط" و"خلي السياسة لأهلها"، ومع المدى أدركت أن هدفه الأساس من اصطحابي معه في مقايله وإشراكي في حواراتهم الجدلية والسياسية كان يكمن فقط في رغبته باستغلالي لإبراز معدنه العرقي المتقدم وتفوقه الفكري والفلسفي كسيد تاريخي لي ولأقراني "المهمشين"، وكأنه يريد من خلالي القول لمناوئيه البيض: انظروا هذا ما أعددناه لكم.. إذا كان هذا مستوى "خادمي" الذي يذهلكم بثقافته والمكتسبة لديه بفضلي أنا كسيد أحسن تعليم ورعاية عبيده، فما بالكم بمستواي أنا السيد المطلق لهذا العبد المتنور أمامكم.
وقد قرنت أنا تبجحه العنصري والانتقاصي ذاك من مكانتي ومستواي الفكري والثقافي والسياسي بأنه ناجم أساسا عن ازدواجية وعيه الاجتماعي والديني والأيديولوجي المتعفن والغارق في براثن التخلف الماضوي الذي يكتنفه، إلا أن الوقت كان كفيلا بإثبات أن تلك النزعة الإلغائية تكاد تكون هي المحفز الأساس لأغلب منظري ورواد الفكر السياسي وحتى الثوري الوطني، وبمختلف انتماءاتهم الحركية والأيديولوجية والفكرية، من الوسط إلى اليسار واليمين الديني والسياسي والقومي لا فرق.
فحينما كنت منخرطا في معمعة الكفاح السياسي والجماهيري والمدني الشاق والمضني في إطار حزبنا الاشتراكي اليمني طيلة العقود الفائتة، أتذكر أنه وفي خضم نضالنا الحركي الشاق لإعادة بناء الحزب وسط تلك المناخات القمعية المسعورة بنمطها الرسمي المنظم التي أعقبت حرب صيف العام 1994م الاجتثاثية، والتي كنت أتربع فيها منابر الخطابة السياسية والأدبية بطابعها الجماهيري في مختلف الفعاليات الحزبية، وبصورة كانت غالبا ما تنتهي بي مصفدا ومعزولا في زنازين وأقبية الأمن السياسي، الأمر الذي أكسبني المزيد والمزيد من المعجبين والمؤازرين والمتعاطفين الدائمين في أوساط رفاق الدرب والحزب وبمختلف مستوياتهم القيادية والميدانية المتوسطة والعليا.
إلا أن أشهر العسل الرفاقية تلك لم تدم طويلا بطبيعة الحال، فحين ظننت أنه في وسعي بناء عشي الخاص والتحليق عاليا فوق الأشجار وفي فضاءات طموحاتي السياسية والحركية، بادئا بشق طريقي في المؤتمرات الحزبية لبلوغ المراكز القيادية المتوسطة والعليا في هرمية الحزب، بدءا باكتسابي عضوية لجنة المحافظة الحزبية بتعز، كعضو منتخب وبأغلبية كاسحة منتصف العام 2005، والذي أعقبه أيضا تمثيلي كمندوب منتخب عن مؤتمر الحزب في المحافظة ضمن قوام مندوبي المؤتمر العام الخامس للحزب، والذي أوصلني بدوره إلى اكتساب عضوية لجنته المركزية كعضو منتخب أيضا في يوليو 2005، وهو التطور الذي قلب ضدي كافة الرفاق في المستويات القيادية المحلية لسكرتارية منظمة الحزب بمحافظة تعز، وبصورة أقسى وأكثر ضراوة أيضا في المستويات العليا داخل هرمية اللجنة المركزية للحزب بمكتبها السياسي وأمانتها العامة، إن جاز التعبير.
كنت أشبه بالبوق في نظر الرفاق، خصوصا في محافظة تعز، وكنت محمودا من قبلهم حين كان يتعين علي كـ"بوق" القيام بما لا يجرؤون هم أصلا على القيام به، وهو مجابهة نظام حكم الرئيس صالح الاستبدادي بكل خبثه وطغيانه في مختلف المنابر والفعاليات الجماهيرية والحزبية، ومن ثم تحولت إلى "ضرة" بالنسبة إليهم حين قررت الصعود لاعتلاء بعض المواقع الحزبية المتقدمة الموازية لمواقعهم التقليدية.
ولتثور على ضوء هذا التحول ثائرتهم، وليبادروا من فورهم أيضا بالتكتل ضدي وبشكل تعصبي مشين وغير مفهوم أو مبرر على الإطلاق، مطلقين ضدي ودون هوادة حمم غضبهم وتهمهم الكيدية، وصولا إلى اتخاذهم قرارا تنظيميا بالإجماع وعلى مستوى سكرتارية منظمة الحزب بتعز، وبعد ثماني وأربعين ساعة فقط على انتخابي في القوام القيادي للمحافظة، قضى بمنعي بصورة دائمة ونهائية من دخول مقر الحزب وحظر قيامي بعقد أي لقاءات أو اجتماعات حركية خاصة بنا معشر المهمشين في إطار "حركة الدفاع عن الأحرار السود في اليمن" الوليدة آنذاك داخل مقر الحزب، خصوصا وأن ذاك القرار التنظيمي كان قد اتخذ أصلا على ضوء مزاعم فارغة نجمت عن اتهامهم لي وبصورة كيدية ومعدة سلفا وبإتقان بوليسي أيضا من حيث مخرجاتها المسرحية وشهود الزور أيضا وجلهم كانوا من الرفاق بطبيعة الحال، بمحاولتي احتلال مقر الحزب بالقوة بواسطة حشد من رجالي "المهمشين" والمنظمين في الإطار التنظيمي للحركة.
في الإجمال يمكن تشخيص ذاك الموقف الرفاقي المخزي بأنه يعبر عن حالة شاذة ومخجلة من السلوك العدواني العنصري الإلغائي المتطرف الذي طالني من قبلهم وبصورة جماعية ومفاجئة وعقب إعلان نتائج التصويت الحركي في مؤتمر الحزب في المحافظة، ومن قبل رفاق تقاسمت وإياهم هموم القضية الوطنية، وخضنا معا معمعمة الكفاح السياسي والجماهيري والمدني بحلوه ومره، رفاق تحول حبهم لي وتغنيهم الدائم بقصائدي الثورية ومقالاتي السياسية بين عشية وضحاها إلى حالة محزنة ومهينة وغير مفهومة من الكره والازدراء العرقي بطابعه الجمعي والتعصبي لذاتي، باستثناء قلة قليلة جدا من الرفاق في المستويات القيادية العليا والمتوسطة للحزب الذين ساندوني خفية وعلانية أمام تلك الهجمة الرفاقية المبكية التي هدفوا من ورائها بطبيعة الحال تجريدي من شرعيتي الحركية والتنظيمية ومن مراكزي القيادية على المستوى المركزي للحزب وعلى المستوى المحلي بالمحافظة.
قلة من الرفاق المنزهين المؤمنين بعمق بالمثل الكفاحية والرفاقية السوية والمتكافئة والذين لم يتوانوا في مؤازرتي والدفاع عن إرثي السياسي والحركي، وإسناد تطلعاتي التحررية كـ"خادم يتوق للانعتاق من براثن العبودية"، وطموحاتي السياسية والحزبية وباقتدار يشكرون عليه.
منهم على سبيل المثال لا الحصر كل من الرفيق عبدالله عبداللطيف الشرعبي (أبو غمدان) والرفيق علي نعمان المقطري عضو مركزية الحزب السابق، بالإضافة إلى أحد أبرز مثقفي اليسار التقدمي من خارج الإطار التنظيمي للحزب والذي ساند كفاحنا كـ"مهمشين"، ولا يزال وفي خضم لحظات الضياع والتشرذم، التي نعيشها والوطن على السواء، ينوء بهذا العبء التقدمي النبيل حيالنا كفئات مغدورة وممتهنة حتى اللحظة، القاضي أحمد أمين المساوى محافظ محافظة تعز الحالي في شقها السيادي، بالإضافة إلى آخرين من خارج الأطر الحزبية، والذين سيظل دورهم التقدمي والإنساني محفورا بعمق في ذاكرة أجيالنا المتلاحقة، منهم الزميل التقدمي المهندس عبدالجليل الحميري الذي ينوء حاليا بعبء إدارة مكتب الأشغال العامة في تعز السيادية، والذي كان له دور بارز خلال العقدين ونيف الفائتة ومن موقعه الإداري والميداني آنذاك (كمدير تنفيذي لمشروع نظافة تعز) في إسناد جهودنا وتطلعاتنا النقابية من خلال إسهامه الفاعل آنذاك في دعم وتأسيس الأطر النقابية لنقابة عمال وعاملات النظافة والصرف الصحي، والتي تمتنت بفضله رغم ما جلبته له تلك الخطوة من نقمة وازدراء أدوات السلطة السياسية الحاكمة في عهد الرئيس الراحل صالح.
الأمر الغريب، والملفت هنا يكمن في ذات العقلية التفوقية والازدرائية التي وسمت علاقة الرفاق بشخصي بالصورة الموضحة آنفا، كانت هي ذاتها المعيار الذي انتهجه وبثبات بعض "الكرادلة الحوثيين" من المتربعين على ناصية القرار الأمني والاستخباراتي الأعلى عقب انتصار أيلول 2014.
فمنذ اليوم الأول لولوجي قوام اللجنة الثورية العليا، كعضو مقترح من قبل سماحة القائد الأعلى للثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، وعقب أول اجتماع لي في دار رئاسة الجمهورية في منتصف فبراير 2015، فوجئت باستدعائي من قبل اثنين من "جلاوزة" الاستخبارات الحركية والأمنية الحوثية، واللذين تحدثا معي بغطرسة أمنية متعالية ذكرتني بجلاوزة الأمن الوطني الذين سادوا خلال الحقبة الشطرية في الشمال، موضحين لي معرفتهما التامة حسب زعمهما بنواياي التخريبية المبيتة ضد الثورة، وبأنهماعلى ثقة راسخة بأنني لست أكثر من مجرد مندس ومتآمر في قوام لجنتهم الثورية، وأنهما على معرفة تامة في الوقت ذاته بهوية القوى السياسية والأطراف الدافعة لي والممولة المحتملة لنشاطي التخريبي والتقويضي المرتقب ضد تماسك ثورة أيلول 2014 من موقعي في هرمها الثوري الأعلى.. و.. و.. إلخ من أوهام وخزعبلات، مختتمين حديثهما الساخن ذاك معي بتهديد مبطن وموجه لي بأن كل خطواتي وكل تحركاتي مرصودة ومراقبة بعناية من قبلهم.
وبالطبع، وإزاء الصدمة والذهول من الطريقة التي قوبلت وعوملت بها منذ يومي الأول بينهم، فقد بادرت من فوري بالاتصال هاتفيا بكل من القاضي أحمد أمين المساوى والقائد أبو علي الحاكم، موضحا لهما ما جرى، وعارضا لهما رغبتي بعقد مؤتمر صحفي ظهيرة ذلك اليوم أعلن فيه انسحابي الفوري من قوام اللجنة الثورية العليا، إلا أن الزميلين العزيزين أثنياني بشدة عن اتخاذ مثل تلك الخطوة الأحادية التي ما إن نما علمها إلى مسامع "الثنائي الاستخباراتي" حتى قدما لزيارتي في مقر إقامتي بأحد فنادق العاصمة صنعاء، مصحوبين بتحذير أشد فظاظة هذه المرة من أن أي خطوة باتجاه إعلام الصحافة أو الانسحاب الأحادي من طرفي من قوام "ثوريتهم العليا" سيفسر من قبلهم على أنه تصرف مناوئ ومضاد وهدام ضد الثورة.
في المحصلة، وبالنسبة للحوثيين كحركة دينية ومذهبية وثورية، فقد كنت ولسنوات طوال سابقة محمودا أيضاً من قبلهم، ومن ضمنهم هذا الثنائي، وذلك خلال سنوات حروبهم الأولى العبثية مع نظام الحكم الاستبدادي للرئيس الراحل صالح، حينما كانوا يتجرعون على يديه كل صنوف القمع والتشريد والإيذاء والإبادة الممنهجة، التي بدأت مع انطلاق شرارة الحرب المذهبية الأولى منتصف العام 2004، حيث كنت أنا حينها ضمن قلة قليلة جدا لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة من الكتاب والقادة الحزبيين الذين شمروا عن سواعدهم وسخروا مقالاتهم الصحفية وأطروحاتهم السياسية والحزبية لنصرة قضية صعدة وأقليتها الشيعية المعرضة للإذلال والقمع الممنهج والإبادة من قبل نظام حكم لا يقيم وزنا للإنسانية، قياسا بالصمت والتواطؤ السياسي المطبق الذي غلف غالبية القوى الوطنية والحزبية إزاء ما يحدث في صعدة.
كما كنت أيضا العضو الوحيد في قوام مركزية الحزب الاشتراكي اليمني الذي عرض على اللجنة المركزية في دورتها الثانية المنعقدة في فبراير 2006، مصفوفة مقترحات سياسية وإنسانية تدعو الحزب وأمانته العامة إلى ضرورة المبادرة الفورية باتخاذ موقف وطني جاد ومشرف لإدانة ما يحدث من جرائم حرب رسمية ومنظمة بواسطة نظام الحكم ضد صعدة، داعيا في الوقت ذاته الحزب إلى التنسيق مع باقي حلفائه في تكتل "أحزاب اللقاء المشترك" لتشكيل لجنة وطنية للتحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ضد أبناء صعدة، وتوثيقها في تقارير معززة بالأدلة والصور والشواهد لعرضها على الرأي العام العالمي بهدف الضغط والتضييق على نظام صالح لإجباره على إيقاف هوسه الحربي والإخضاعي ضد صعدة وقاطنيها، وكنت أيضا الوحيد من أعضاء اللجنة المركزية الذي بادر وبشكل فردي في يوليو 2005، وفي خضم حرب النظام الثانية المسعورة ضد صعدة وقاطنيها ورغم المخاطر الأمنية المترتبة على شخصي بالقيام بزيارة ميدانية لمحافظة صعدة والاطلاع على أوضاعها الإنسانية وإعداد تقرير تنظيمي مفصل كان مصيره الحفظ في أدراج الأمانة العامة للحزب "بتاع ياسين نعمان وأبو بكر باذيب" جراء السلبية التي حكمت آنذاك، وخلال أغلب جولات الحرب مواقف مجمل أحزاب المعارضة الوطنية حيال ما يحدث في صعدة بصورة بلغت حد التواطؤ العلني مع نظام صالح، مثلما كنت آنذاك أيضا من ضمن قلة ضئيلة جدا من الكتاب السياسيين والصحفيين الذين تحدوا حظر النظام المفروض على التعاطي مع قضية صعدة وألهبوا الصحف الوطنية والحزبية بصورة مستمرة ومتوالية بفضائح الحرب المرتكبة ضد صعدة.
في النهاية، وحينما أتيحت الفرصة للحوثيين لحكم البلاد على ضوء ثورة أيلول 2014 بعد عناء وتضحيات طويلة تجرعوها، فإن كل حسناتي تلك تحولت إلى النقيض في موقف ازدرائي لم يكن يعكس بالضرورة موقف الثورة وقائدها الأعلى المفدى السيد عبدالملك الحوثي الذي وضعني ضمن أعلى الهرم الثوري، بقدر ما تعكس مواقف أولئك المتنمرين الذين اعتقدوا أن الثورة هي ملك حصري وخالص لهم دون غيرهم، والذين جسدوا منظورهم العنصري ذاك بوضوح من خلال حرصهم على تجريدنا "معشر المهمشين" من ميزة الشراكة الثورية الكاملة والمتكافئة كـ"أقليتين عرقية ومذهبية، عانتا من جور تحالف اليمين الديني والعشائري"، إلى خانة التبعية وبقالبها اللاهوتي التصوفي البحت.. عبر وضعنا في قالب حركي مسرحي تحت مسمى "أحفاد بلال" تحاشيا لمشاركتهم ذات الصفة كـ"أحفاد لمحمد"، ولتبقى الصورة التبعية هي ذاتها، محكومة على الدوام بكونهم "أحفادا لمحمد"، فيما نحن نظل محصورين في تبعية تابعه بلال بن رباح الذي يزايدون به علينا، رغم ثقتي الأكيدة في أنه لو كان قدر له يوما أن تطأ قدماه أرض هذه البلاد لبات قدره ومصيره مرهونا بحجم "المرفع" المخصص له حتى ولو كان إمام المسلمين جميعا، ومع هذا لا يزالون جميعا يتغنون دون حياء بالزوامل والشعارات الحداثية والتقدمية في واحد من أسوأ مظاهر النفاق السياسي والأخلاقي وأكثرها وضاعة وانحطاطا، فيما نحن "معشر أخدام اليمن" لا نزال غارقين في قاع المستنقع السياسي والاجتماعي والإنساني دون فكاك في انتظار الفرج الذي بات وهما على وهم.. فإلى متى؟!










المصدر محمد القيرعي
زيارة جميع مقالات: محمد القيرعي