محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
ثاني أيام عيد الأضحى؛ الخميس 28 مايو 2026 رحل عن عالمنا الأفندم عبدربه منصور هادي.. رحل بصمت، لم تستطع حجبه كل مظاهر النفاق والعويل الاستعطافي المنطلقة من حناجر أبواق الرياض لإضفاء نوع من مظاهر الحداد الوطني المعمم من باب الاستهلاك الدعائي لا أكثر، لكنه رحل -وهذا هو الأهم- بصمت مشوب بتاريخ طويل ومضن وغير مشرف، مشحون بكل صنوف العمالة والارتزاق والابتذال والمؤامرات التي أجادها بامتياز منذ أيام خدمته العسكرية المبكرة في جنوب ما قبل الوحدة -كضابط رفيع المستوى في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية- حيث كان له الدور الأبرز إبان أحداث الثالث عشر من يناير الدموية عام 1986، ومن موقعه كقائد عسكري للمنطقة الشرقية الوسطى.. ضمن الزمرة التآمرية للرئيس علي ناصر محمد..
 في إبادة المئات من رفاقنا الآمنين في ثكناتهم وفي أسرة نومهم من عناصر الجبهة الوطنية الديمقراطية (مقاتلين وضباط ميدانيين وقادة حركيين).. وبطريقة الغيلة التي اتسمت بها على الدوام طباعه الشخصية (كطاعن في الظهر)، وذلك قبل أن ينتهي به المطاف فارا من وجه العدالة في الجنوب إلى شمال ما قبل الوحدة وفي بلاط الرئيس الراحل صالح، الذي أسبغ عليه وعلى باقي رفاقه وقادته من طابور زمرة ناصر نعمه، بدرجة لم تردع هادي من مواصلة مشواره التآمري، وتحديدا ضد أبناء جلدته في الجنوب، بصورة تكللت بعودته إلى رحابهم ظافرا وغانما وفاتحا على رأس قوات الشمال الغازية في حرب صيف العام 1994 الانقلابية، بصفته آنذاك وزيرا للدفاع في حكومة الرئيس المنتصر صالح، الذي سرعان ما قرر وضعه على رأس المعادلة الوحدوية المقوضة ببارود المدافع الانقلابية حين عينه نائبا صوريا له، خلفا للزعيم المهزوم علي سالم البيض.
وحتى حينما سنحت له فرصة خلافة صالح في العرش على ضوء نتائج الفوضى الناشبة تحت ما سمي بـ«الثورة الشبابية» عام 2011، فإن كل نعم وفضائل الرئيس صالح السابقة والمصبوغة عليه لم تثنه من التآمر على ولي نعمته ذاته، أي الرئيس صالح، إلى حد سعيه آنذاك لمطالبة المجتمع الدولي وبصورة ملحة بالعمل على نفي صالح وترحيله بصفة نهائية خارج اليمن، إضافة إلى نجاحه أيضا ومنذ اللحظات الأولى لتبوئه سدة المسؤولية.. وضمن مسعاه التآمري العام ضد شعبه وبلده في إدراج بلادنا تحت رحمة الفصل السابع، والتي مهدت لفتح أبواب العدوان ضد بلادنا على مصراعيها، حيث عدت تلك الخطوة بمثابة أول وأهم إنجازاته السلطوية والشخصية المخضبة بالعمالة.
في الأخير، رحل هادي عن عالمنا بدون ضجة تذكر سوى عويل بعض النائحين الذين شاركوه منذ البداية امتطاء موجة العمالة، فلا كنائس العمالة دقت أجراس الحداد عليه، ولا مآذن المطاوعة صدحت بالثناء عليه والتسبيح بحمده، ولا جلاوزة الإصلاح ملأوا أسماعنا زعيقا في التبشير بطهره وعفته ونبوته وعتقه المضمون من نار الآخرة بالطريقة التي بشروا بها عقب رحيل ناموسهم الأكبر (شيخ الإرهاب عبدالمجيد الزنداني)، لأن الرجل في الحقيقة لم يكن أكثر من مجرد بيدق في أيديهم.
فمنذ لحظة اعتلائه سدة السلطة السياسة في البلاد العام 2012 عقب إزاحة سلفه الرئيس صالح لم يكن هادي أكثر من مجرد بيدق بيد خونج الرذيلة من عتاولة حزب الإصلاح الذين أفرطوا في استغلاله وتوظيف سذاجته السياسية لتنفيذ مشاريعهم وأجندتهم السياسية والشللية والعشائرية والحركية على حساب باقي أعوانهم وحلفائهم في طابور المشترك، وعلى حساب الشعب اليمني بأسره.
وحينما تأزمت الأوضاع الوطنية بمختلف مستوياتها جراء الهوس التسلطي والاستبدادي الإخوانجي الذي برز جليا من خلال هيمنتهم المزدوجة والمطلقة على كل من هادي وسلطته الصورية، وعلى حكومة باسندوة المعتل، بصورة أدت إلى استثارة غضب الشعب مجددا، الشعب الذي طمرهم بثورة أخرى، وليدة متفجرة من عمق معاناته المتجددة (ثورة 21 أيلول 2014)، ولتبدأ معها مجددا دورة التآمر الإخوانجي المحموم ضد الأمة، دافعين ببيدقهم هادي إلى الفرار من العاصمة في مارس عام 2015، والارتماء في بلاط بني سلول، طالبا منهم وبإيعاز مباشر من جلاوزة الإصلاح التدخل العسكري لإنقاذ نظامه المعتل، وبصورة أفسحت المجال لشن أبشع عدوان عسكري (إقليمي -دولي) على شعبنا وبلادنا عدوان بربري آثم لا يزال قائما ومفتوحا حتى اللحظة على كل الاحتمالات.
مشكلة الأفندم هادي تكمن منذ البداية في عجزه عن فهم واستيعاب خصائص ومتطلبات الوضع السياسي والثوري والاجتماعي المنبثقة من حواصل الأحداث الوطنية الساخنة والمضطربة آنذاك والتي وجد نفسه فيها كحاكم تنفيذي أول للبلاد، إذ كان عليه أن يدرك بجلاء، ومنذ بداية تسلمه سدة المسؤولية، أنه وفي ظلال ثورة شعبية لم يخمد سعيرها بعد، فإنه يتعين على القائد في هذه الحالة تعزيز وتوسيع وتعميق تحالفاته مع الشعب الذي يتطلع للتغيير لا مع جلاوزته وقتلته من عتاولة الفوضى والتفيد والفساد على غرار عيال الأحمر وحزبهم الإخوانجي (حزب الإصلاح) الذين أودوا به إلى مستنقعات لا تحمد عقباها.
اليوم وغدا وفي المستقبل، لن يذكر هادي في خاصرة التاريخ الشعبي والوطني سوى بما يستحقه بكونه المتآمر الأبرز على أمن شعبه وبلاده، وعلى حاضرهم ومستقبلهم ووحدتهم ولحمتهم الاجتماعية الداخلية التي تشرذمت وتمزقت بفعل مجونه الانبطاحي بصورة يصعب إعادة ترميمها وتقويمها على المدى الزمني الطويل.
رحل كخائن لشعبه ووطنه، رغم أنه لم يكن يملك حتى قرارا مستقلا بالفعل، فمنذ لحظة اعتلائه سدة السلطة في البلاد، كان قراره مرهونا بمزاجية وعبثية الخونج من عتاولة حزب الإصلاح، والحال ذاته ينطبق أيضا على ظروف حكمه المخجل من منفاه في الرياض، إذ إنه ومن لحظة ولوجه بلاط ابن سلمان فقد ما تبقى من كرامته واستقلال قراره السياسي الذي بات رهنا بمزاجية فتى الرياض المدلل محمد بن سلمان.
ولهذا ستظل صورته وذكراه لصيقة في أذهان أجيالنا المتلاحقة، بالطريقة التي عاش وحكم ورحل عليها ومن خلالها، مشيعا بالخزي والعار، والهزيمة الأخلاقية، التي سيتذكره الناس بها، والتي ستحدد موقعه في أحلك زوايا التاريخ الشعبي والوطني، كرئيس أضحوكة حكم على شعبه وبلاده بالفناء خدمة لأسياده في الخليج الفارسي وإمبراطورية «اليانكي».

أترك تعليقاً

التعليقات