محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
لم يكن لدي في أي وقت، ومنذ انتكاستنا المريعة والمزلزلة المتمثلة باستشهاد الرفيق القائد جار الله عمر، أي أوهام بخصوص خيانة أغلب قادة الحزب وحلفائه في تكتل المشترك.. لتطلعاتنا الجماهيرية والمدنية ولتطلعات الشهيد ذاته المتقدة لتقليم مخالب ديكتاتورية الرئيس صالح الاستحواذية من خلال سعيه آنذاك، وعبر مشروعه السياسي التكتلي، لاستعادة التوازن المفقود للعملية السياسية والمدنية والديمقراطية في البلاد، وإعادة اعتبارها المسلوب على إيقاع مدافع حرب صيف 1994 الانقلابية والعدوانية.
فمع كل مرة أستعرض فيها حضور وإنجازات ومثالية الشهيد، فإنني أدرك بجلاء مدى الفراغ السياسي والرفاقي والحركي الذي خلفه فينا رحيله، مثلما أدرك في الوقت ذاته أيضا أن مسألة اعتمادنا على الأثر المباشر لمآثره.. سيتعذّر علينا قطعا إدراكُ حجم الأثر الفعلي والواقعي لأعماله وإنجازاته كقائد سياسي وحركي ملهم ومحنك ألهمنا على الدوام بمثله السامية ومبادئه الثورية المتقدة التي لا تنضب.
فخلال الفترة النشطة الأخيرة من حياته، كان رحمه الله منشغلا من ناحية أولى وبشكل رئيسي بمحاولة تمتين أواصر اللحمة الداخلية والحركية للحزب وتوسيع آفاق نضاله السياسي والجماهيري الشعبي.. وبما يعيد له دوره واعتباره وحضوره التقليدي والمؤثر في خارطة العمل الوطني.. ومن ناحية أخرى بتوسيع وتمتين آفاق التحالفات السياسية المتنوعة مع باقي منظومة العمل الحزبي والوطني في محاولة يائسة وطموحة منه لإيجاد ثقل سياسي وتنظيمي مواز للثقل السلطوي المؤتمري الحاكم بوسائل ديكتاتورية مبطنة.
وكانت علاقتي الشخصية والرفاقية والكفاحية به قد توطدت خلال تلك الفترة التي سبقت استشهاده.. وكنت حينها قد بادرت آنذاك وإلى جانب مجموعة من الفهود السود في التاسع عشر من يوليو 2001 بتأسيس أول حركة حقوقية سوداء ذات طابع سياسي وجماهيري ومدني في تاريخ اليمن تعنى بقضايا المهمشين ومجابهة المعتقدات العنصرية.. كحركة وليدة وناشئة أصلا من عمق معاناتنا ومن محيطنا الطبقي "معشر أخدام اليمن" بغية الدفاع عن حقوقنا وقضايانا العادلة ومناهضة التمييز العنصري بكافة أشكاله "حركة الدفاع عن الأحرار السود في اليمن" برئاستي، بما ولدته تلك الخطوة من جدل سياسي ونظري وفكري مدو ومفتوح ومحتدم في عموم المشهدين السياسي والوطني حول واقع ومستقبل العلاقات الإنسانية المختلة في البلاد.
وهو الجدل الذي تعزز آنذاك، أو لنقل مجازا حظي بمباركة حزبنا الاشتراكي اليمني وبعض الأحزاب المعارضة الأخرى والمنضوية في إطار "تكتل أحزاب اللقاء المشترك" المعارض والوليد آنذاك كتكتل فرضته ظروف الانسداد المعشش في الأفق السياسي في البلاد، جراء الاختلال المروع بميزان التوازنات السياسية والسائد على ضوء النتائج الإقصائية لحرب "صيف 94" الجائرة، مثل حزبي اتحاد القوى الشعبية اليمنية؛ ذي الاتجاه الديني والمذهبي اليساري، والتجمع الوحدوي اليمني؛ ذي الميول اليسارية الماركسيّة، بالإضافة إلى رافده الفكري أيضا "منتدى الجاوي الثقافي والأدبي"، والذي نلت آنذاك شرف عضويته التأسيسية كمنتدى (فكري -سياسي) كان يضم في عضويته رجال النخبة الوطنية الراقية من ساسة ومفكرين وأساتذة جامعات؛ من بينهم حسبما أتذكر الدكتور محمد علي السقاف، والدكتور زين السقاف، والأستاذ علي الحثرة، والأستاذ علي حسن الحريبي، والسفير أحمد كلز، والرفيق الأستاذ منصور هائل، والرفيقان الكاتبان والمغامران عبدالرحيم محسن وإبراهيم حسين، والعشرات غيرهم ممن لا يتسع المجال هنا لذكرهم.
إلا أنه وعلى صعيد الموقف الرسمي للحزب الاشتراكي اليمني، أقول هنا وللأمانة التاريخية ومن باب الإنصاف الشخصي فقد كان كلا من الرفيقين القائدين الراحل علي صالح عباد (مقبل) الأمين العام للحزب آنذاك، والشهيد جار الله عمر الأمين العام المساعد للحزب والرجل الثاني في قيادة الحزب العليا مفتونين بدرجة قوية ومثيرة للتفاؤل بمشروعنا الكفاحي التحرري "معشر أخدام ومهمشي اليمن" ومستعدين لرفدنا ومؤازرة تطلعاتنا المدنية المشروعة وضمان استمراريتها بكل سبل الدعم المتاحة على الرغم من صعوبة الظروف اللوجستية إجمالا المحيطة بالحزب آنذاك على مختلف الصعد الحركية والمالية والسياسية والدعائية.
ومع هذا لم يتوان كلا الرفيقين مقبل وعمر عن منحنا وإسناد وثبتنا التحررية تلك بمختلف وسائل الدعم الدعائي والنفسي والسياسي والمعنوي المتاحة آنذاك وحتى المادي في بعض الأحيان على رغم شحته، لدرجة أن الرفيق الأمين العام للحزب "مقبل" أصدر توجيهاته للإدارة المالية للحزب بصرف مخصصاته المالية الحزبية المستحقة له كل شهر لصالح الحركة، على الرغم من ضآلة تلك المستحقات والتي لم تكن تتعدى في مطلق الأحوال مبلغ 25 ألف ريال (أي بواقع أقل بقليل من مائة دولار شهريا)، وهو التوجيه الإداري الذي لم يجد طريقه للتنفيذ الفعلي على أرض الواقع العملي بسبب القيود التي فرضها علينا وعلى نضالنا العرقي والطبقي جيوب اللوبي الرجعي والعنصري أو لنقل مجازا "الطابور الانتهازي الخامس المهيمن داخل الأمانة العامة للحزب".
وكان الرفيق الراحل مقبل قد أصدر آنذاك تعميما إداريا موجها للدائرة الإدارية في الأمانة العامة للحزب بمنح منظمتنا الوليدة "حركة الدفاع عن الأحرار السود" مقرا إداريا ثابتا ودائما من مكاتب وعقارات الحزب الخلفية الملحقة بمبنى أمانته العامة، وهو التوجيه الذي تعطل هو الآخر عن التنفيذ داخل دوائر الحزب العليا جراء النزعة التهميشية والإلغائية التي قوبلنا بها من قبل طابور التوجه الاستحواذي الرجعي داخل هيئات الحزب المختلفة، والعليا على وجه الخصوص.
من جهته كان للرفيق القائد الشهيد جار الله عمر، والذي ربطتني به كما أسلفت، وأيضا بالرفيق القائد علي صالح عباد مقبل، ولسنوات طوال، علاقات شخصية ورفاقية متينة ووثيقة، اندفاعته المثلى والمحكومة برؤيته الكفاحية والثورية والمدنية المتبصرة لواقع ومستقبل العلاقات الإنسانية المختلة والمشوهة في بلادنا.
وهي الرؤية التي رأيت من الأهمية بمكان الإشارة إليها هنا، ربما لإدراكي الشخصي والعميق لحقيقة أن التفوق السياسي والقيادي الذي كان يمتاز به الرفيق الشهيد جار الله عمر طوال مسيرته الكفاحية الممتدة خلال أغلب مراحل العملية الثورية الوطنية في الشمال والجنوب، كان ناجما بالدرجة الأساس عن قدرته الفذة على إدراك مكامن الصواب والخطأ، وأن اجتراح المعجزات في العمل السياسي وفي بلد قبلي ناء ومتخلف كبلدنا كان يتطلب في الواقع ومن منظوره الشخصي والكفاحي ضرورة وأهمية توعية وتأهيل القوى الجماهيرية المكدودة والمغيبة، بغية إشراكها بشكل فعال في عملية البناء الثوري للمجتمع وتنظيمها، تنظيما عمليا وفعالا لتمكينها من المشاركة المثمرة في صنع قرارها ومستقبلها. إذ إن إضعاف دور الجماهير وتغييب حضورها الطبقي ونضالها السياسي وفي خضم أي عملية ثورية كان يعد من منظور جار الله عمر الأساس الذي يمهد دوما السبل والظروف المؤاتية لنشوء الديكتاتوريات وإطالة أمد هيمنتها على واقع ومستقبل ومقدرات بلدانها وشعوبهم.
ولقد أخبرني ذات مرة أنه من الممكن الحكم على مستوى حضارة وثقافة معينة لأي شعب أو أمة من خلال قياس معاملتها للفئات الضعيفة والمستضعفة في محيطها، ومن هذا المنحى بدت رؤيته المثلى فيما يخص إسناد كفاحنا العرقي وتطلعاتنا الطبقية كـ"مهمشين" أكثر حكمة وثورية وفاعلية إن جاز التعبير.
فإلى جانب تبنيه الشخصي والحركي لي أنا كشخص وكحامل قضية، وكصاحب مشروع كفاحي تحرري على الصعيد الجماهيري والمدني والطبقي أيضا، فقد استندت رؤيته المتحمسة آنذاك بضرورة المبادرة في الدفع الفوري بنضالنا الطبقي والعرقي وبحركتنا الوليدة آنذاك "حركة الأحرار السود" إلى مصافات ملموسة ومتقدمة وبما من شانه العمل أولاً على كسر وتخطي قاعدة الجمود والإقصاء المجتمعي والسياسي التاريخية، وذلك عبر المسارعة الفورية وبالاستناد إلى الجهد السياسي والتنظيمي الجمعي لتكتل أحزاب اللقاء المشترك بصفته الوطنية العمومية، بتأمين الشروط والظروف والإمكانيات الحركية واللوجستية الكفيلة بتمكيننا في المقام الأول من الحصول على التمثيل التشريعي والبرلماني، ولو بحدوده الدنيا، كمقدمة أساسية لثبيت أقدامنا وحضورنا كفئات منبوذة ومهمشة في المعترك السياسي والجماهيري الوطني، الأمر الذي كان من شأنه، وفي حال تحقق، أن يسهم من منظوره الشخصي في تسريع وتيرة نضالنا العرقي والطبقي، والدفع به قدما إلى مصافات مثمرة ومظفرة على المدى الزمني المستقبلي الطويل.
وهي خطوة وبقدر الجرأة التي اتسمت بها بالفعل، فقد كانت لا تخلو أيضا من وجهة نظري من كم هائل من المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن مخاض التحولات الفجائية تلك التي كان يأملها آنذاك الشهيد جار الله عمر، والتي قد تصيب بنيان نظامنا الاجتماعي المعتل والمشوه في محيط مجتمع قبلي عشائري مأزوم ومتعثر لا يزال يكتنفه الشعور القومي الماضيوي، وبالذات في نطاق فئاته السيادية المتفوقة والمبندقة، بأن "الأخدام" مكرسون فقط لخدمة رفاهيتهم الاجتماعية.
لكن الرؤية التي عكست إجمالا تطلعات الشهيد القائد الرفيق جار الله عمر كانت لتعزيز مسارنا الطبقي التحرري من خلال المبادرة بالقفز الفوري فوق الحواجز المجتمعية التاريخية، بالصورة التي ستسهم بتمكيننا كـ"مهمشين" من اكتساب نوع من الحضور الدستوري والتشريعي الرمزي، ولو في حدوده الدنيا، كخطوة أولى تمهيدية كما أسلفت، وممهدة لنضال وانتصارات طبقية أرقى ومحتملة ولو في مداها الزمني الطويل، وقد خفف من مخاوفي آنذاك "رحمه الله" حين بين لي في هذا السياق وفي إطار حديثنا ذات مرة بالقول: "إنه ومتى ما أمكننا منح القطاعات الواعية طبقيا في المجتمع والمستعدة للمثابرة وعدا واحدا بالتغيير، فإننا وبمجرد بذل الجهد الأولي للتعامل مع الأفكار الجديدة وغير المألوفة سنجد أن التغيير الحتمي لا يمكن إيقافه لأنه في جوهره واضح وبسيط، طالما ارتبط بقضايا عادلة ومؤثرة ومشروعة كقضيتكم معشر المهمشين".
وعلى هذا الأساس وجهني في أغسطس 2001، حسب ما أتذكر، بالاستعداد الذاتي على الصعيد الشخصي والجماهيري والحركي والطبقي أيضا لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة والمقرر إجراؤها عام 2003، كمرشح نيابي محتمل ضمن قوائم الحزب الاشتراكي اليمني، وفي إحدى الدوائر المضمونة ذات الثقل الحزبي داخل مدينة تعز أو في ريفها المترامي، وضمن الدوائر المشتركة له -أي الحزب- مع حلفائه في تكتل أحزاب اللقاء المشترك، وفي دائرة انتخابية ذات حضور قاعدي وحركي وجماهيري حاسم ومؤثر للحزب بدرجة تضمن إيصالي للبرلمان.
كما أصدر (رحمه الله) آنذاك توجيها إداريا وحركيا بهذا الخصوص للجهات المعنية بالشأن الانتخابي في قوام الأمانة العامة للحزب في أوائل سبتمبر 2001م، ومن ثم أوفدني على ضوء رؤيته الطموحة تلك.. ومع بدء انطلاق عملية القيد والتسجيل الانتخابي في الأول من أكتوبر 2001، وبعد أن وجه بمنحي مبلغ "مائة ألف ريال نقدا" للقيام بزيارة ميدانية تنسيقية لمدينة تعز لاستقراء الوضع الانتخابي واقتراح الدائرة المزمع تنافسي فيها كمرشح محتمل للحزب وتكتل المشترك، وذلك بالتنسيق المسبق مع قيادات الحزب المحلية وقواعد حركتنا السوداء، وكذا مع باقي حلفائنا في تكتل المشترك.
إلا أن الأمور لم تسر بالشكل المرجو تماما جراء العوائق الإجرائية والتنفيذية التي حرص الطابور الاستعلائي والعنصري داخل الحزب وفي هرم أمانته العامة تحديدا على وضعها في طريقي، لدرجة أنه حتى تكاليف ومصاريف نزولي الميداني التي أمر بصرفها لي الشهيد جار الله عمر لإنجاز المهمة لم أتمكن إلا من تحصيل واستلام نصفها فقط، وعلى دفعات أيضا طيلة شهر أكتوبر، وبواقع عشرة آلاف ريال في كل دفعة، بحيث كان يتعين علي متابعة كل دفعة لأيام عدة بغرض تحصيلها آنذاك من قبل المسؤول عن الإشراف الانتخابي المعين لمحافظة تعز الرفيق (م.ع.ش.) عضو اللجنة المركزية للحزب، في خطوة وإن هدفت آنذاك لإعاقتي عن إتمام مهمتي الميدانية بصورة مثلى.. إلا أن هذا المسؤول بررها بشح الإمكانيات المالية رغم ثرائه الشخصي الفاحش، والذي اكتنزه أساسا جراء فساده المشهود وعمالته المفضوحة لديكتاتورية الرئيس صالح والذي سخرها بشكل لا لبس فيه للعمل العلني والمفضوح ضد الحزب وضد مناضليه، وضد مساره الثوري والكفاحي والتقدمي إجمالا.
وعقب قيامي باستطلاع واستقراء الوضع والخارطة الانتخابية حسب توجيهات الرفيق جار الله عمر، وإعداد تقرير تنظيمي له على ضوء استقرار رأينا الحركي على الدائرة الانتخابية (34) وسط مدينة تعز، التي قمت حينها -وفي سياق ذات المشروع- بتسجيل بياناتي الشخصية والاقتراعية فيها، نظرا لجملة من الحسابات والاعتبارات الجيوسياسية منها الكثافة العددية للمهمشين في نطاقها الديموغرافي بالاضافة إلى كثافة الوجود الجماهيري والحركي للحزب الاشتراكي وحلفائه من تكتل أحزاب اللقاء المشترك.
إلا أن الظروف كان لها رأي آخر هدام ومناهض لتطلعاتنا الطبقية والعرقية تلك، رأي توافقي مع النزعة الإلغائية المستشرية لرفاقنا في الحزب وأمانته العامة حيالنا "معشر المهمشين".. إذ إنه وعقب انتهائي من مهمتي الاستطلاعية الميدانية تلك في أواخر أكتوبر 2001 تعرضت للاعتقال التعسفي وبدوافع سياسية بحتة ومعتادة من قبل جهاز الأمن السياسي بمدينة تعز، ولفترة قاربت العشرين يوما قبل أن يتم إخلاء سبيلي مع تباشير حلول شهر رمضان الكريم الذي تزامن مع نوفمبر، ولأعود بعدها إلى العاصمة صنعاء بغرض رفع تقريري المتضمن خيارنا الانتخابي للأمين العام المساعد الرفيق جار الله عمر، والذي صودف سفره في تلك الفترة خارج اليمن أثناء فترة وجودي بحجز استخبارات تعز، حيث توجه للعاصمة السعودية الرياض بغرض زيارة الديار المقدسة لأداء شعائر العمرة، والتي لم يفلح بادائها جراء رفض النظام الملكي السعودي السماح له بذلك، وليتوجه بعدها (رحمه الله) إلى بغداد للمشاركة في أعمال المؤتمر القومي العربي قبل أن يرسو في نهاية المطاف بالعاصمة الإيرانية طهران، ولم أتمكن من لقائه إلا عقب عودته لليمن في منتصف ديسمبر 2001، أي قبل أقل من أسبوعين على استشهاده (رحمه الله) في الثامن والعشرين من ذات الشهر أثناء مشاركته في الحفل الافتتاحي للمؤتمر العام الثالث لحزب الإصلاح (شريكه المفترض آنذاك في ائتلاف اللقاء المشترك)، وعلى يد متطرف جهادي إخوانجي من داخل حواصل حزب الإصلاح ذاته.
وكان لقائي قبل الأخير معه قد تم في منزله الكائن بالحي الليبي في الطرف الغربي لمدينة صنعاء يوم 20 ديسمبر 2001 على وجه التقريب، وكان حينها يصادف يوم الجمعة حيث اعتدنا على التجمع الأسبوعي في منزله الذي كان يعد بمثابة ملتقى أسبوعي تقليدي للنخبة السياسية والفكرية والحزبية في البلاد، والعاصمة خصوصا.. حيث كنت أنا والزميلان العزيزان علي حسن الضالعي الأمين العام المساعد السابق للتنظيم الوحدودي الشعبي الناصري، ومحمد المقالح عضو مركزية الحزب الاشتراكي، نشكل إلى جانب الشهيد جار الله عمر نوعا من الرباعي النخبوي الذي تجمعهم روابط فكرية وشخصية متينة، وكنا معتادين على اللقاء التقليدي أيام الجمعة في منزل الشهيد جار الله وأيام الأحد من كل أسبوع في منزل الضالعي الذي كان يعد هو الآخر بمثابة ملتقى ومنتدى فكري وثقافي وسياسي لرجال النخبة في العاصمة، وهكذا دواليك.
وفي ذلك اليوم عرضت عليه تقريري الميداني وتصوراتي الانتخابية المعززة بجملة من الحقائق والاعتبارات السياسية والمجتمعية والحركية والحزبية... وقد وافق عليها مدفوعا بحماسه الشخصي والمشوب آنذاك بنوع من الشك والإحباط والضبابية التي تغلف مواقف شركائه المفترضين في تكتل أحزاب اللقاء المشترك، وبالأخص حليفه الأكبر والرئيسي؛ حزب الاصلاح الديني (الفرع اليمني لحركة الإخوان المسلمين).. حيث انتحى بي يومها جانبا وأسر لي أو عبر لي تحديدا عن مخاوفه من عدم جدية حلفائه الجدد في حزب الإصلاح في السير بمشروع اللقاء المشترك إلى مصافات مأمولة ومثمرة على طريق استعادة التوازن المفقود لخارطة العمل السياسي في البلاد، وهي الفكرة أو المشروع الاستراتيجي المتمخض من بنات أفكاره (رحمه الله).. معبرا لي عن مخاوفه في هذا الصدد من سعي الإصلاحيين لاستغلال الاندفاع التكتلي الحركي لأطراف التحالف لتعزيز تطلعاتهم السياسية والانتخابية على حساب شركائهم داخل التكتل، قائلا لي بالحرف الواحد: "اسمع يا أستاذ محمد.. أودك أن تعلم أننا نحمل أكفاننا على أكتافنا بغية تحويل تكتل المشترك من الورق إلى الواقع العملي.. فيما إخواننا في الله (حزب الإصلاح) يعيقون ذلك".
ومن ثم طلب مني الاستعداد مع باقي الرفاق لتصعيد حركة الاحتجاج الجماهيري الشعبي، في سياق وضعي الحزبي والحركي في منظمتي الوليدة آنذاك، للتصدي لقانون منع المظاهرات وتقييد الحريات الذي كان موضوعا للنقاش وعرضة للإقرار الفعلي في البرلمان المهيمن عليه آنذاك من حزب الرئيس صالح المؤتمر الشعبي العام.
بعدها بأسبوع واحد، وأثناء لقائنا التقليدي في منزله يوم الجمعة بتاريخ 27 ديسمبر، كلفني آنذاك (رحمه الله) أو شدد علي بالأحرى بضرورة السفر في اليوم التالي إلى محافظة صعدة في زيارة تقييمية لرصد وتقييم الأوضاع السياسية والحركية والانتخابية والحزبية وتضمينها له في تقرير تفصيلي، ومنحني صكا توجيهيا للإدارة المالية للحزب بمنحي مبلغ ستين ألف ريال كتكاليف مالية لإنجاز المهمة، وبما أنني كنت مدعوا أيضا من قبل الشيخ حميد الأحمر عضو الهيئة التنفيذية العليا لحزب الإصلاح، والذي كانت تربطني به صلات شخصية وثيقة ومتينة، لحضور الفعالية الافتتاحية لأعمال المؤتمر العام الثالث لحزبه في قاعة المؤتمرات بالمدينة الرياضية بالعاصمة صنعاء، فقد تأجل سفري حتى يوم الأحد، وليتم اغتياله صبيحة السبت في ذاك المهرجان الحزبي لحلفائه في حزب الإخوان المسلمين، وعلى يد أحد متطرفيهم كما أسلفت، ولتغتال معه كل أحلامنا وتطلعاتنا السياسية والحركية والانتخابية والمدنية والتحررية "معشر المهمشين"، ليس فحسب على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، وإنما حتى -وهذا هو الأهم- على الصعيد الحزبي الداخلي الذي شهد نوعا من الضمور والانكماش الظاهري لوجودنا وتأثيرنا التنظيمي في هرمياته المختلفة جراء افتقاري شخصيا لجدار الإسناد والحماية السياسية داخل الحزب، والذي نجم في المقام الأول عن رحيل جار الله عمر عن عالمنا، وفي شقه الآخر عن تقاعد الرفيق الأمين العام للحزب آنذاك علي صالح عباد "مقبل" الأمر الذي أسفر إجمالا، ليس فحسب عن تجريدي من جدار الحماية السياسية والحركية داخل الحزب، وإنما أيضا عن الاستفحال الثأري والانتقامي لنزعة الإلغاء والتفوق العرقي والعنصري، التي عوملنا بها وعوملت بها شخصيا من قبل الرفاق داخل الحزب، بوصفي من أبرز ناشطيه وكتابه السياسيين ومتحدثيه الميدانيين على امتداد المشهد الوطني، بالشكل الذي أدى إلى إرغامي القسري على مغادرة الحزب في أغسطس 2008 مكسوا بكل مظاهر الخيبة والخذلان الرفاقي والانكسار السياسي والمعنوي.

أترك تعليقاً

التعليقات