محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
مضى أربعة وعشرون عاماً على اغتيال عضو قيادة فرع حركة الدفاع عن الأحرار السود في اليمن بمديرية المعافر – تعز، الشهيد منير أحمد سعيد، ذي العشرين ربيعاً حالكاً، إذ تعرض للقتل بوحشية غير مسبوقة في مسقط رأسه بقرية السامقة معافر، على يد شلة عنصرية متعصبة قام أفرادها بقتله بوحشية غير مسبوقة، ثم رموا جثته، التي مُثّل بها، في إحدى الآبار الجافة والمهجورة في المنطقة، وظلت مخفية هنالك أياماً عدة قبل أن يتم اكتشافها على ضوء معلومة سربها لذويه أحد أقرباء القتلة، وكانت قد بدأت بالتحلل الفعلي حينما قمنا بانتشالها وشحنها وسط عويل ذويه إلى ثلاجة الموتى بالمستشفى الجمهوري بمدينة تعز، ولتمكث هناك كجثة لضحية مجانية دون أن يرف جفن لسلطات إنفاذ القانون (السلطات القضائية والأمنية) في المديرية والمحافظة، والتي لم تكلف نفسها آنذاك ليس فقط عناء فتح تحقيق جنائي ولو صوري مع قتلته، وإنما حتى مغبة توجيه السؤال الافتراضي لمن أدلى بمعلومة مكان إخفاء الجثة لمعرفة كيفية معرفته على الأقل بموقع إخفاء جثة الضحية، ولو من باب الفضول حتى، ما اضطرنا في نهاية المطاف إلى لملمة جراحنا ومداراة ندوبنا الاعتبارية والنفسية وكرامتنا التي واريناها الثرى جنباً إلى جنب مع جثمان شهيدنا الذي شيعناه بقلوب دامية أمام أنظار المجتمع وعلى مرأى من قتلته أيضاً وحماتهم من مسؤولي الهيئات الحكومية وأعيان المجتمع القبلي المحلي (مجتمع منطقة السامقة) الموصوف بكونه أحد أسوأ المجتمعات المحلية على امتداد المنطقة تمسكاً بقيمه ومذاهبه العنصرية بنمطها الذرائعي الموغل في الوحشية والتطرف الماضوي المتبلد.
في النهاية، القتلة ظلوا ولا يزالون حتى اللحظة طليقي السراح، رغم تفاخرهم العلني بارتكاب جريمتهم الشنعاء تلك بحق شاب أعزل ومهمش لا حول له ولا قوة. والسبب يكمن في كون كامل المنظومة الاجتماعية والعدلية بهيئاتها القضائية والأمنية، وحتى الاعتبارية أيضاً، محصورة وبشكل احتكاري في محيط أبناء شيخ المنطقة المتوفي (الشيخ عقلان)، خلافاً لنمط المحاصصة العشائرية المعهودة، فيما أبجديات الهيمنة القبلية المتبعة كعرف مقدس في بنيان النظام الاجتماعي التراتبي المسعور.
فشيخ المنطقة هو بطبيعة الحال نجله الأكبر عبدالحميد عقلان، فيما إدارة أمن المديرية تقع تحت إدارة نجله الثاني العقيد عبد القاهر عقلان. والوضع ذاته ينطبق أيضاً على عضوية المجلس المحلي للمديرية والمحصورة وبشكل احتكاري بنجله الثالث، فيما النجل الرابع للشيخ يتمنطق عضوية نيابة المديرية. وجميعهم طبعاً من أقارب وموالي القتلة الذين حظوا وبصورة مشفوعة وعلنية أيضاً بحمايتهم الاعتبارية والقانونية والرسمية دون منازع.
هذا الأمر انعكس وبجلاء، وكأغلب حالات القتل والسحل والتشريد والتدمير العرقي الممنهج الذي يطال فئاتنا المنبوذة على مدى خمسة عشر قرناً زمنية مضت، على حق الضحية وذويه في العدالة والإنصاف القانوني المفترض في سياق حقوقه الدستورية المكفولة على الورق فقط كما هو معلوم، جراء افتقاره (أي الضحية)، بالدرجة الأساس، للميزة الاعتبارية ذاتها في تراتبية الانتماء، التي تحظر أعرافها وقوانينها الاجتماعية الموروثة عليه وعلى بني جلدته الانتماء لآل فلان أو زعطان أو علان، بحيث ظل وضعه ولا يزال على ما هو عليه، محكوماً بدونيته الاجتماعية كـ»خادم» تجرأ يوماً ما على الانتفاض والصراخ في وجه أسياده التقليديين بعبارة «كفى إذلالاً وعبودية»، وليدفع ثمنها بشكل فادح ومأساوي من دمه وروحه المستلبة كثمن مجاني وغير ذي قيمة تذكر، ومع هذا لا يزال يتعين علينا إبداء الولاء لوطن ومجتمع لم ينتجوا في تاريخهم سوى الوباء والفجور والرذيلة المعممة على أوسع نطاق ممكن باسم الرب والقبيلة.
* الرئيس التنفيذي لحركة الدفاع عن الأحرار السود - رئيس قطاع الحقوق والحريات في الاتحاد الوطني للفئات المهمشة في اليمن

أترك تعليقاً

التعليقات