باب المندب في قلب المعركة
 

كمال البرتاني

كمال البرتاني / لا ميديا -
أثار إعلان القوات المسلحة اليمنية إغلاق باب المندب في وجه الملاحة الصهيونية تساؤلات تشكيك معتادة منذ بدء معركة «طوفان الأقصى»، وبالذات ما يتعلق منها بأولويات صنعاء. يقولون إن وضع المعالجات الاقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية أهم من الانخراط في الصراع الذي اتخذ طابعاً إقليمياً تجاوز ميدان العربدة الصهيونية المعتاد: قطاع غزة وجنوبي لبنان.
بالنظر إلى المعطيات، يمكننا أن نرى اليمن بوضوح داخل دائرة النار. ولن يعفينا تجاهل هذه الحقيقة من تكبد الخسائر على شكل نزيف يومي؛ فالحصار مستمر، والحرب الاقتصادية متواصلة، والعقوبات ضد صنعاء سارية، ومخطط تطويق اليمن من الخليج والقرن الأفريقي يجري تنفيذه، ومشروع التفتيت لم يتوقف، ولا توجد أي ضمانات تحمي البلاد من العدوان وتُحررها من الاحتلال. كما أن خارطة الطريق المتفق عليها مع السعودية مجمدة برغبة صهيونية وقرار أمريكي.
المعطى الثاني هو أن العدو الصهيوني يحاول تجزئة المعركة ومواجهة كل طرف على حدة: غزة، الضفة الغربية، حزب الله اللبناني، ثم إيران، واليمن، وهذا يمكن أن يحقق له مكسبين: عزل الساحات، وتصوير ما يحدث على أنه صراعات طارئة مع أطراف معينة، وليس تنفيذاً لمشروع سيطال ضرره كل أنظمة وشعوب المنطقة، بينما وحدة الساحات تحوّل الهجمات العدوانية من عمليات ردع إلى جزء من حرب تدفع قوة العدو للتآكل ومزاعمه للتضاؤل، وتجعل الجيش الصهيوني والمستوطنين يدفعان الثمن، ويفهمان أن زمان العيش بأمان تحت القبة الحديدية قد ولى.
سبق للشعب اليمني وقواته المسلحة أن تعاملوا مع العدوان السعودي - الإماراتي بوصفه عملاً عسكرياً يهدد الوجود الحر والسيادة والمستقبل ولا بد من مقاومته ونسف أهدافه. لكننا اليوم أمام فرصة تاريخية للمضي في تغيير المعادلة واستخدام أوراق القوة التي كانت طيلة عقود نقاط ضعف، وفي مقدمها: طول الساحل الغربي وأهمية باب المندب في خارطة التجارة العالمية.
ونحن أيضاً أمام فرصة لاختيار زمان التدخل العسكري ومستواه وأدواته ونطاقه، بدلاً من ترك العدو يحدد كل شيء، والبقاء في مربع رد الفعل؛ ولا شك أن المبادرة دليل على امتلاك أسباب القوة.
البعض يزعم أن قرار صنعاء استجابةٌ ظلّيةٌ للتحركات الإيرانية، خصوصاً مع تلويح القادة في طهران وتهديدهم مراراً بإغلاق باب المندب. والحقيقة أن وجود اليمن في إطار المحور المقاوم أجدى من البقاء بعيداً وقت الفعل؛ لأننا في دائرة الاستهداف طوال الوقت، وإذا ما نأينا بأنفسنا عن التصعيد في لبنان وفلسطين وإيران سنكون قد حققنا للعدو هدفاً ذا أولوية في استراتيجيته التي لم تتغير منذ تأسيس كيانه عام 1948.
ربما بعد سنوات، قد ينسى بعض العرب أو غالبيتهم ما حدث في غزة من قتل وتدمير وحصار؛ لكن الصهاينة لن ينسوا موقف اليمنيين ودورهم في معركة الإسناد، وسيظل اليمن في نطاق مشروعهم وضمن مخططاتهم الانتقامية وهواجسهم الأمنية؛ وهذا يعني أن المواجهة حتمية، بينما وضعها في سلم أولويات مع قضايا وهموم داخلية دليل جهل بطبيعة المعركة، أو مجرد شعار يرفعه الخصوم والعملاء للمزايدة والمكايدة لا أكثر.

أترك تعليقاً

التعليقات