خبط عشواء!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
ما هو أجمل ملمح يعطي مدينة صنعاء القديمة بهاءها الآخاذ؟ أدري أن بواعث الجمال جمة ومظاهره عدة في هذه المدينة، بينها عبق القِدم، طابع المعمار، عناصر الإبهار من زخرف جبسي لأحزمة المنازل وإطارات النوافذ والشواقيص وبالطبع القمريات.. الخ. لكن جوهر جمال المدينة في نظري يكمن في دقة نظامها المعماري الحضاري.
النظام، أكسب مدينة صنعاء القديمة، رونقها الخلاب. ليس نمطها المعماري وطابعها الإنشائي، بل تخطيط المدينة، وانتظام مبانيها، ارتفاعا ومساحات -غالبا- وانفتاحا على بساتين وصرحات (ساحات مصغرة لكل حارة)، توزيع وحداتها، المساجد والحمامات والأسواق والسماسر، الخ. تدرك هذا الجوهر الجمالي، حين تلقي نظرة خارج سور المدينة.
لا تجد -مع الأسف- ملمحا جماليا مماثلا خارج سور المدينة التاريخية. يغيب القاسم المشترك بين مباني الأحياء والحارات الجديدة في العاصمة صنعاء، في تمددها أفقيا وعاموديا بين جبالها غيمان (نقم) وعيبان وعطان، رغم عمارتها الباذخة في المواد والزخرف. لا تلمس مظهر انتظام لها، عشوائيات تعج بالفوضى، تنفر العين، مثلما تعتم الروح وتخنقها!
يغدو من الصعوبة بمكان، الاهتداء الى عنوان أحدهم، منزلا كان أو متجرا، في مدينة صنعاء الجديدة. ليس هناك تخطيط دقيق للوحدات السكنية خارج أسوار صنعاء التاريخية. ولولا خدمة جوجل في تعيين الموقع وإحداثياته، لاستعصى الاهتداء الى عنوان ما ترومه. لهذا لم يكتب النجاح لتجربة صناديق البريد الشخصية للمنازل وجعلت مجمعة بمراكز بريد!
على العكس، حين تغادر اليمن، وتزور أي مدن، عربية أو أوروبية، مثلا، سيكون أول ما يلفت انتباهك وربما يشدف دهشتك ويخطف إعجابك، هو النظام العام، أينما اتجهت أو ولجت أو حللت. بدءا من النظام المعماري، تخطيط الشوارع والحدائق، نظام السير، نظام المعيشة، نظام التعامل.. الخ. أنظمة تشعرك بالتحضر والرقي وتغمرك بالسعادة.
معظم المدن الأوروبية، تضم بالطبع، أحياء عتيقة ضاربة في القدم. لكنها تتجاور في انسجام مع أحياء أحدث فأحدث، لا تلمس غالبا فجوة فاجعة بينها. وباستثناء أبراج وناطحات سحاب قلب عواصمها؛ يظل القاسم المشترك للأحياء السكنية النظام المعماري. تخطيط الأحياء والوحدات السكنية والشوارع، والطابع المعماري، يحيلها بساتين أو قطع دومينو.
النظام، أساس الوجود. خلق الله الكون والخلائق كلها بنظام دقيق ومتقن، كل شيء له نظام لو اختل لفسد الكون، بدءا من النظام الفلكي والشمس ومداراتها والقمر ومنازله، مرورا بدورة حياة الكائنات، بالنظام النباتي، النظام البيئي، النظام المناخي، النظام الغذائي.. الخ. أنظمة تحكم سير الحياة، مثلما يحتكم لها التباين في النظام الاجتماعي.
شخصيا، أزداد يقينا بأن النظام مفتاح الإنجاز والنجاح والترقي والرخاء. لا يتطلب فقط سن قوانين وصرامة تطبيقها دون انتقاء أو استثناء، بل يتطلب أولا وعيا مجتمعيا، تربية أسرية، ثقافة عامة، تجعل النظام سلوكا عاما، قناعة عامة، والتزامه ذوقا عاما، يتنافس الجميع في امتثاله، وجني ثمار هذا الامتثال من صحة وراحة، واستقرار وازدهار.
النظام يا قوم، تربية وثقافة، تبدأ من الأسرة، من وجود نظام لبيت الأسرة، مواعيد النوم والاستيقاظ، الأكل والصلاة، الدراسة والمذاكرة، العمل والإنتاج، اللعب والترفيه. نظام ترتيب الفراش، نظام الكتابة وانتظام الخط، نظام التعامل: الطلب، السؤال، الإجابة، المعرفة، الالتزام، الاحترام، المعاملات، العلاقات.. الخ بذور النظام العام للدولة برمته.
يبقى النظام نقيض الفوضى. وتظل الأخيرة عشوائية لا عفوية، عدامة لا بساطة، مضرة لا منفعة، هدامة لا بناءة. مهلكة لا منجية، خسارة لا مفازة، متاهة لا هداية، ملهاة، حماقة لا نجابة، زاد التسويف والتواكل، وقود التجديف والتساهل، معول التجريف والتخاذل، مهدرة للوقت والجهد والمال، مبددة للطاقة والعزيمة والآمال، مثبطة للهمة، محبطة للمهمة.

أترك تعليقاً

التعليقات