مأزق أكبر!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
ينتظر اليمن مأزق أكبر بكثير من توقف الحرب ورفع الحصار واستئناف صرف رواتب الموظفين وإعادة الإعمار وتعويضات الضحايا. هذه أضرار مادية، يمكن حصرها، ومعالجتها، بإجراءات مادية أيضا. هناك الأخطر والأفتك من إرث هذه الحرب العدوانية الغاشمة، سيعوق وقوف اليمن على قدميه، دولة ومجتمعا، لسنوات وربما لعقود طويلة، ما لم يعالج!
لا تتوقف أضرار الحرب، عند آثارها على المكان، من دمار البنيان، وتضعضع الكيان، مؤسسات ونظام ونسيج مجتمعي. الأمر أخطر بكثير، هناك آثار الحرب على الأذهان والوجدان. يهدد اليمن بجيل من المضطربين عقليا ونفسيا جيل من المصابين بأمراض نفسية شتى، خطيرة ومدمرة وفاتكة، ليس أقلها: القلق المزمن والتوتر المفرط والوسواس القهري.
ليس سهلا ولم يكن عارضا أو عابرا، ما مر به ويمر به عشرات الملايين من اليمنيين الأطفال عند بدء الحرب، الشباب اليوم. ظلت تداعيات الحرب عليهم كبيرة ومؤثرة وقاسية بلا هوادة. أن يعيشوا سنين بأيامها ولياليها تحت وطأة القصف الجوي ويعايشوا أجواء الدمار والقتل والإصابة والتشرد والنزوح، علاوة على مشاهدها اليومية، كان كفيلا بانعكاسات نفسية.
الخوف، التوتر، القلق، التوجس، الشعور بانعدام الأمان، الشعور بالضيم والظلم والألم، معايشة تداعيات الحرب الاقتصادية والمعيشية من فقر وعوز وحرمان، امتد إلى مقومات العيش الأساسية من قوت وماء ودواء. هذه وغيرها الكثير من انعكاسات أجواء الحرب طوال ثمان سنوات، لا يقوى على احتمالها الكبار، الأشداء جلدا وصبرا وبأسا، فكيف بالصغار؟!
تتسبب هذه الانعكاسات المباشرة للحرب وأجوائها، بآثار مباشرة في نفسيات ضحاياها. قد لا تكون عميقة مع من وجدوا الاحتواء الواعي، التفهم والحنان والطمأنة، وهم بالطبع قلة تبعا لتدني مستوى الوعي العام، وضيق الكبار بما يحدث وقلقهم وخوفهم هم أيضا وانفعالاتهم الناجمة عنه، وتصدر اهتماماتهم ما يبدو أهم بكثير من العناية بأطفالهم نفسيا، أولا فأولا.
لهذا، كان طبيعيا أن تترك هذه الانعكاسات المباشرة لأجواء الحرب، آثارا عميقة مرضية لدى غالبية الأطفال في البلاد، بل عشرات الآلاف من الكبار نساء ورجالا. لا تكاد أسرة داخل اليمن تخلو من آثار نفسية للحرب، متفاوتة العمق ومختلفة النوع ومتباينة مدى الظهور في التفكير والمشاعر والسلوكيات. مثلما لا تخلو من حالات صارت تشكو أعراضا مرضية.
في هذا، تقرأ بين حين وآخر، تقارير صادرة عن منظمات دولية، بعضها من منظمات هيئة الأمم المتحدة، كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمومة والطفولة (يونيسف)، وصندوق الأمم المتحدة للسكان. وبعض هذه التقارير صادر عن منظمات دولية، مثل منظمة أطباء بلا حدود، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، علاوة على تقارير لمنظمات وجهات محلية.
ما تحويه هذه التقارير، عن واقع الصحة العقلية والصحة النفسية في اليمن، وآثار الحرب عليهما، ينجح في إثارة القلق من الراهن والقادم. تفعل هذا حتى وإن كانت هذه التقارير قد لا تخلو من المبالغة، لارتباطها بدافعية حث العالم وهيئات المجتمع الدولي، على تقديم الدعم والتمويل لبرامج أنشطة هذه المنظمات في الصحة النفسية والحماية من آثار العنف.
تتضمن هذه التقارير أرقاما للحالات التي أمكن الوصول إليها والتعامل معها، أكان عبر الخطوط الهاتفية المجانية لتقديم المساندة والاستشارات النفسية، أو عبر المعاينة والمعالجة البرامجية في مراكز متخصصة تابعة لهذه المنظمات، تعمل في أرجاء اليمن أو الاستقصاء. هذه الإحصاءات لا تتحدث عن آلاف بل عن مئات الآلاف من اليمنيين، منذ بدء الحرب!
وقطعا، ليس كل من باتوا يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، يطلبون المساعدة، أو يسعى ذووهم لعرضهم على أطباء أو متخصصين. ماتزال نظرة المجتمع السائدة لهذه الاضطرابات، نظرة قاصرة ومدمرة، تربطها بالجنون وتقترن بوصمة العار والشعور بالنقص، بالخوف من “الفضيحة”! ما يجعل عدد المرضى بهذه الاضطرابات عشرة أضعاف طالبي المساعدة!

أترك تعليقاً

التعليقات