مزيقات!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
يأتي في العامية الدارجة قولهم “مزيقات”، وهي تعني كل ما كان منمقا من الكلام أو الخطابات المخادعة، بوصفها غدت أسطوانة مكرورة ومعزوفات سامجة وساذجة، لا تُطرب ولا تخلب، ولا تنطلي مضامينها وما تسوقه على أحد. هذا ينطبق على خطاب “مجلس قيادة” أدوات التحالف وحكومته، بعدما باتت مكرورة مملة، ومكروهة مزعجة، لدى العامة.
مشكلة المتصدرين للمشهد والسلطة في الطرف الآخر، أنهم هم أنفسهم من ظلوا يعيثون في البلاد إنهاكا وإعطابا وإفسادا، تحت يافطة “المزيقة” الكبرى “الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية”. ويحضرني هنا، أني كتبت قبل 12 عاما ناصحا “ساسة” الأمس واليوم هؤلاء، في خضم موجة “تفرق أيدي النظام”، على مقصلة هيجان الشارع العام مطلع 2011م.
وأتذكر مما كتبته يومها، مقالا نُشر في أخيرة صحيفة “الثورة” الحكومية، بعنوان “ليتهم يعلمون” ضمن سلسلة مقالات، متلاحقة، أخذت طابع مصارحة، وتتابعت بدافع مناصحة، وأعقبها عتاب وملامة، ومواقف اتسمت بالمعاقبة، “لحساسية الظروف غير الملائمة”، قبل أن يجري لأول مرة، رفض نشر مقال لي بعنوان “من الجاني؟”، عقب مجزرة “جمعة الكرامة”.
جاء في المقال المنشور حينها : لا يلام عامة الناس في بلادنا إن صاروا يذمون “الديمقراطية” وينعتونها بأنها “ملهاة عبثية” ولعبة أو “حيلة مخادعة”، وباب ما انفكت تهب منه رياح عاتية أكثر منها نسمات شافية، تعصف بقيم الحق، وتقصف قيم الصدق، وتنحرف بقيم العدل، وتخسف بفرص العمل، وتبعا تنسف الأمل في غدٍ أفضل، وحال أمثل!
هذا لأن عامة الناس في بلادنا، يرون -والحق معهم- أن “الديمقراطية” وفق ما آلت إليه ممارستها في الساحة المحلية “ديمة خلفوا بابها” للغوغائية والانتهازية نفسها ولكن في قالب وأطر تبدو في نصوصها “نظامية” ولغايات ترنو لبلوغ “المثالية” فيما ينحو تطبيقها للفوضوية، ولغايات ترنو لشرعنة الهمجية، [وتصبو لدوام محاصصة السلطة وثروات الرعية]!
لا يلام المواطنون إن قادهم هذا الهم وأجبرهم هذا الغم، على أن يكفروا بأهداف “الديمقراطية” وينكروا صدق شعاراتها وحقيقة عدالتها. ولا يمكن أن نستغرب هذا من شعب صدعته ممارسات “الديمقراطية”، وأرهقته مهاترات أطراف ممارستها، وأشقته مكايداتها ومماحكاتها، وأعيته تناقضاتها وانقضاضاتها، وأونته سقطاتها وإسقاطاتها، وأضنته مغالطاتها وغلطاتها!
الناس [المواطنون، في أي زمان ومكان]، يفهمون ما يعايشون لا ما يسمعون، ويصدقون ما يرون لا ما يُلقنون. وهم في بلادنا يرون أن “الديمقراطية” في أحوالها المحلية لم تنه ثقافة بالية ولا أحلت ثقافة وطنية، ولا عممت مشاعر وئام وتفاهم وأواصر تكاملية، ولا غيرت سلوكيات رجعية، ولا عالجت عصبيات قبلية، ولا أذابت ولاءات مناطقية وقروية!
يرى الناس، في بلادنا ويكتوون كل يوم بمظاهر وممارسات تؤكد لهم أن “الديمقراطية” لم تصبغ الحياة بالمدنية، ولا فرجت كربة سياسية، ولا حلت معضلة اقتصادية، ولا بسطت سيادة قانونية، ولا أشاعت سكينة أمنية، ولا حتى أبقت على همة إصلاحية! بل على العكس، استحالت نقمة تؤصل الوهن وتواصل المحن وتهل العطن، وتشعل الفتن!
والانفصام بين القول والعمل، يشي باستفحال خلل في المفهوم والممارسة، يفضي لاستشراء العلل ويغذي اهتبال الزلل، ويستدعي حالا يحفل بالعطب وأسباب التعطل والتململ، الذي يؤدي بدوره إلى الملل. والأخير يسهم في وأد الأمل وهو إكسير الحياة [وانتظار الغد الأفضل]، فإن فُقد [أو وئد]، انعدم معنى الحياة الكريمة، وتبددت جدوى العيش!
*من مقال نشر في صحيفة الثورة، العدد (16954)، الأربعاء 13 أبريل 2011م، الصفحة الأخيرة.. واقتضت الحاجة إعادة نشره.

أترك تعليقاً

التعليقات