علم البِيض
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
فاجأ المناضل الوحدوي الكبير علي سالم البِيض الجميع حيا وميتا. وصيته بتشييع جثمانه إلى مسقط رأسه بحضرموت تتجاوز تجسيد الولاء وتجذر الانتماء الوطني إلى ما هو أكبر بكثير من أفق وعقول من كانوا رفقاء وغدوا فرقاء على مقصلة السلطة بحكم الأعداء!
برز تشييع جثمان البِيض مقارع الاحتلال البريطاني  وموحد 22 سلطنة وإمارة ومشيخة فرخها الاحتلال لضمان دوامه 128 عاما، الرئيس السابق في جنوب اليمن ونائب رئيس اليمن الموحد؛ موشحا بعلم أبيض.. آخر خطاباته.
ماذا أراد أن يقول تعمد تشييع جثمان البِِيض بكفنه فقط، من دون توشيحه براية علم أي من الكيانين الوحدويين اللذين شارك في صنعهما: «جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية» 30 نوفمبر 1967م، والجمهورية اليمنية 22 مايو 1990م؟!...
يظهر لي جليا أن الراحل علي سالم البِيض أراد بهذه الوصية إعلان دعوته إلى السلام، والتحرر من الأحقاد والأدران، والتطهر من جميع أدواء صراعات السلطة، وفي مقدمها النزعات العنصرية، ببواعثها المناطقية والقروية والجهوية، و.. إلخ.
صدحت وصية الراحل علي البِيض توشيح جثمانه البياض وحسب، بدعوته إلى السلام لا الاستسلام عن مطالبته بإصلاح مسار الوحدة والدولة «على أسس ديمقراطية وسليمة» تضمن سيادة النظام والقانون واستقلال القرار والعدالة والرخاء.
أرى أن البِيض كان أبيض القلب وجاهد قدر استطاعته لتجنب سفك الدماء في مختلف دورات الصراع في جنوب وشرق اليمن، ومع شمال وغرب اليمن بحروب «الوحدة أو الموت» 1972 و1978 و1994م، وصولا إلى الحرب المتواصلة للسنة الحادية عشرة.
لم تجر للبِيض مراسم تشييع رسمية كما يستحق، لأن القائمين على السلطة في جنوب البلاد، أقزام أمام هامته وإنجازاته ومواقفه. أمام احترامه لنفسه وبلده وشعبه، ورفضه طلب التدخل العسكري من دول الجوار، رغم تأييدها انفصال الجنوب عدا قطر.
تفوق علي سالم البِيض على رفاقه بثباته على مبدأ الحرية والاستقلال والسيادة. لم يفعل كما فعلوا أو ينسلخ عن جلده ويرق ماء وجهه ويرتهن لقوى أجنبية ويرهن سيادة بلده لها مقابل كرسي السلطة، فقد تنازل عنه سلفا، لأجل اليمن.
ليست رئاسة الدولة وحدها ما قدمه البِيض قربانا ليمن موحد مستقل ومزدهر. هناك أيضا دماء وأرواح أقاربه الذين جرى اغتيالهم وقال عقب توقيع وثيقة العهد والاتفاق في الأردن بعد سرده أسماءهم «الوطن أبقى.. اليمن أغلى»، في شاهد آخر على الإيثار والتضحية.
لقد لقن علي سالم البِيض، حيا وميتا، السياسيين في جنوب وشمال وشرق وغرب اليمن درسا، بل دروسا عدة في الانتماء للوطن والولاء لاستقلاله وسيادته وحرية شعبه وكرامته. لكنهم مع ذلك ما يزالون في غيهم يعمهون، وشتان بين الثرى والثريا.

أترك تعليقاً

التعليقات