عقد نقص!
 

ابراهيم الحكيم

ابراهيم الحكيم / لا ميديا -

تظهر أعراض «عقد نقص» مركب وغبن مراكم تتحكم بأحداث الاستحواذ والإقصاء والإفناء في جنوبنا العزيز، ليس فقط في الإجراءات التعسفية والاعتداءات المنفلتة بحق اليمنيين المدنيين من محافظات شمال البلاد، بل وحتى بحق اليمنيين المدنيين والسياسيين والعسكريين من محافظات جنوب البلاد أيضا.
ليست التبعية المطلقة والانقياد الكلي والاستلاب التام لأجندة الممول والداعم السياسي والعسكري الخارجي، وحدها ما يفسر هذا التنكيل والإمعان في التعزير. ثمة دوافع ذاتية ترجع إلى شعور بالنقص من ناحية وبالغبن من ناحية ثانية، فضلا على توهم أفضلية عنصرية، ذات بعد مناطقي، طاغية بجلاء.
فعليا لا يبدو حقيقيا تأييد سكان جنوب اليمن بكاملهم أو حتى غالبيتهم أو نصفهم أو ربعهم للمجلس الانتقالي الجنوبي، فحشد الآلاف أو حتى عشرات الآلاف من أتباعه في 8 محافظات جنوبية، وملء ساحة العروض بهم، لا يعني أنهم جميع سكان المحافظات الجنوبية ولا حتى 100 منهم. 
في هذا، يلحظ أي لبيب في عدن مقتا لمن يتصدرون المشهد، سيطرة وادعاء تمثيل أهلها وجنوب اليمن، بل وزعم نيل «تفويضهم جميعا». يظهر هذا في المحكي الشعبي العدني وتسميتهم مسلحي الضالع «ضُلَيْع» ومؤخرا «ضفيع» وليس «ضوالع» أو «ضالعيين»، ومسلحي يافع «يُفَيْع « وليس «يوافع» أو «يافعيين»، كما وزن الجمع في اللهجة العدنية: عوالق وحضارم... الخ.
قطعا لست أؤيد هذا، وأمقت أشد ما أمقت كل نبرة عنصرية بنعرة مناطقية أو نزعة مذهبية أو «نخطة» عرقية، ولا أقصد هنا مطلقا التعريض أو التجريح أو الإساءة إلى قبائل الضالع ويافع العريقة الأبية والمنحدرة من قاصد ذي رُعين الحميري ومالك ذي كلاع الحميري، ما يختزل اليوم بـ «سرو حمير». 
أشير إلى هذا هنا فقط بوصفه مجسا محسوسا لقياس منظور أهالي عدن لجلافة أو لنقل «عدامة» سياسيي الضالع ويافع، وسعيهم الدامي لفرض هيمنتهم على عدن، وما يقترن به من اعتداءات مرفوضة من أهالي عدن، بل وحتى من كثيرين في الضالع ويافع أنفسهم، لا يشكون أحقادا وأدرانا مناطقية.
وفي هذا تنبغي الإشارة أيضا إلى نظرة استعلائية غير خافية بين كثير من نخب الضالع ويافع لأهالي عدن تحديدا وأبين ولحج وشبوة عموما، ترتكز على ازدراء أصول أهالي عدن وانقطاعها عن جذور قبلية وانطباعها بطبيعة مدنية مسالمة، يُنظر إليها بأنها «ذلة سلبية لا إيجابية وتعكس ضعفا» وربما «جبنا لا قوة».
كما يبرز لافتا، في السياق نفسه، شعور بالهامشية لدى نخب الضالع ويافع، رغم ظهور كوادر وقيادات عسكرية لامعة منهما مناضلة لإنهاء الاحتلال البريطاني وتشطير اليمن، إلا أن باعثه عدم ارتقائها سدة الحكم في عدن وجنوب اليمن، بالنظر لمساقط رؤوس رؤساء جنوب اليمن بعد الاستقلال عن الاحتلال البريطاني.
وباستثناء المناضل الضالعي علي أحمد عنتر وزير الدفاع ثم نائب الرئيس علي ناصر، والسياسي اليافعي سالم محمد صالح الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني الحاكم لجنوب اليمن ثم عضو مجلس رئاسة دولة اليمن الموحدة، ظلت الضالع ويافع خارج منظومة الحكم، رغم تجرعهما ويلات دورات صراعاته.
ربما كان مرد هذه الهامشية للضالع ويافع في هرم السلطة إلى النظرة السياسية لهاتين المنطقتين اليمنيتين بأنهما ظلتا شماليتين حتى نهاية المائة عام الأولى من الاحتلال البريطاني وانسحاب قوات حاكم شمال اليمن الإمام يحيى بن حميد الدين منهما وشبوة في مقابل إنهاء حصار بريطانيا لميناء الحديدة وانسحابها من البيضاء.
وبالطبع، لا يغيب هذا الملمح المناطقي وتداخله السياسي عن أحداث جنوب اليمن العزيز الراهنة، بقدر ما يظهر امتدادا لصراعات قيادات ما عُرف باسم «الزمرة» وأُسقط تصنيفها على محافظاتهم (أبين وشبوة)، وما عُرف منهم باسم «الطغمة» وأُسقطت التسمية على محافظاتهم (الضالع ويافع لحج وحضرموت).
لكن هذه المعطيات، ليست فعليا بمنأى عن العوامل الخارجية، وصراعات قطبي تحالف الحرب السعودي الإماراتي، على النفوذ في جنوب اليمن، وانعكاسه على فصائل كل منهما اليمنية. ما يحدث تظل محركاته مدروسة بدقة ومخططا له بعناية ويجري تنفيذه بروية منذ مدة تتجاوز أزمة 2011 بأعوام سابقة.

أترك تعليقاً

التعليقات