«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 137
- مروان ناصح الأربعاء , 1 يـولـيـو , 2026 الساعة 9:43:35 PM
- 0 تعليقات

مـــــــروان نــاصـــح / لا ميديا -
عامل المقهى.. ذلك الذي كان يوزّع الدفء كما يوزّع الفناجين
في الزمن الذي لم تكن فيه المقاهي أماكن للشرب فحسب، بل محاريب صغيرة للبوح والهدوء، كان الساقي هو كاهن هذا المعبد.
هو الرجل الذي يسكب الماء على القهوة فتفوح أرواح الناس معها، وكان في حضوره شيء من السكينة، وفي ابتسامته شيء من غبار الشمس حين يتسلّل إلى غرفة قديمة.
ذاكرة من حبر دافئ..
تحفظ الناس مثلما تحفظ الأكواب أماكنها
لم يكن يسأل الزبون عمّا يريد؛ كان يعرفه من طريقة جلوسه، من شكل يده على الطاولة، من النظرة الأولى.
ذاكرته ليست قائمة مشروبات، بل دفتر مدهون بفضول الإنسان: هذا يريد قهوته معتّقة بالحزن، وذاك يريد شايه ثقيلاً ليوازن به ثقل حياته، وثالث يطلب مشروبه بلا سكر لأن أي حلاوة إضافية تعكر مزاجه الشارد...
ابتسامة تعادل شروقاً.. حتى لو غابت شمس يومه الشخصي
كان يبدأ نهاره كما يبدأ الضوء: بهدوء، ثم بانتشارٍ لطيفٍ يشبه أنفاس الفجر حين يتسلل إلى الأزقة.
تعبه مخبوء خلف ابتسامة واسعة، كأن قلبه يقول للناس: "خذوا من نور وجهي ما شئتم، فأنا هنا لأخفف عنكم لا لأثقل عليكم".
ابتسامة لا تشي بسهَر الليلة الماضية، ولا بقلة الراتب، ولا بالعالم الذي يمرّ عليه لكنه لا يلمسه.
صينية الساقي.. موسيقى من معدن تُعزف بلا نغم
كانت الصينية في يده أشبه بمرآة صغيرة تعكس ضوء المقهى، كلما تحركت تدفّق فوقها لحنٌ معدنيّ يعرفه الروّاد جيداً.
ترنّ، وتلمع، وتتمايل بخفةٍ تجعلها تبدو كأنها ليست قطعة من الألمنيوم، بل هلال صغير يرافقه من طاولة إلى أخرى.
وحين يضعها أمامك، تشعر بأنك لست زبوناً؛ بل ضيفٌ على وليمة من العناية.
يوميات بين دخان الشيشة.. وحكايات تتنفس في الهواء
يمرّ بين الطاولات، ويشمّ من كل فنجان رائحة مزاج صاحبه: يقرأ العاشق من بخار قهوته، والحزين من صمت كوبه، والغاضب من ارتطام ملعقته بحافة الكأس.
هو لا يسترق السمع، لكنه يفهم لغة الهسيس؛ لغة تعلّمها من هدير الشيشة، ومن تنفّس العجائز، ومن حكايات تمشي على أطراف أصابعها.
القصص التي يلتقطها ويضعها في جيب قلبه
كل يوم يمر عليه لا يشبه سابقه. كم رأى يداً تُصافح بعد خلاف، ووجهاً يبكي خلف جريدة، وأحلاماً صغيرة تولد على طاولة واحدة ثم تتبخر مع آخر رشفة.
هو مؤرّخ غير معلَن، يكتب التاريخ لا على ورق، بل في تجاعيد الابتسامة التي يوزّعها.
وكلما غادر أحدهم المقهى، كان الساقي يجمع بقايا الحكاية بمناديل ورقية، ويدفنها في سلة القمامة كأنه يدفن سراً نبيلاً.
سخاء الروح.. كأس لا تنضب
لم يكن يقدّم خدمة؛ كان يقدّم راحة تشبه يد أمّ تربت على كتف ابنها.
يرفع صوت المباراة للشباب، يخفضه لمن يقرؤون، يجلب مقعداً لشخص متعب، ويترك المياه الباردة لمن تبدو عليه آثار يوم طويل.
كان يفعل كل ذلك كأن في قلبه نبعاً لا يجفّ، وكأن رزقه الحقيقي ليس في النقود، بل في تلك الدعوات الدافئة التي يسمعها حين يغادر أحدهم.
حين ينام المقهى.. يبقى الساقي وحده مع صمته
بعد إغلاق الأبواب، يعيد ترتيب الكراسي كما يعيد الدنيا إلى نصابها.
يمسح الطاولات برفق، كأنه يمسح وجوه الزبائن الذين مرّوا خلال النهار.
ثم يجلس على كرسي ناحية الزاوية، يشرب قهوته أخيراً، قهوة بلا استعجال. وفي لحظته هذه، يبدو كمن يسمع دقات قلب المقهى نفسه، أو دقات قلب العالم، فهو آخر من يغادر، وأول من يعود؛ لأن الحكاية تبدأ وتنتهي به.
الخاتمة:
لم يكن الساقي مهنة، بل قصيدة يومية تمشي على قدمين.
رجلٌ جعل من القهوة عذوبة، ومن الشاي عزاء، ومن وجوده بلسماً يسكب الطمأنينة قبل أن يسكب الشراب.
واليوم، حين نمرّ بمقاهٍ حديثة باردة كالزجاج، نحن لا نفتقد الطاولات الخشبية، بل نفتقد ذلك الرجل الذي كان يصبّ لنا شيئاً لا يُشترى: دفء حضور الإنسان.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح