«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 111
- مروان ناصح الأثنين , 20 أبـريـل , 2026 الساعة 1:07:30 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
من المقصّ إلى المكنة الإلكترونية.. رحلة في مرآة الزمن
حيث تتشابك رائحة الصابون البلدي مع بخار القهوة المتسلّل من النوافذ، كان دكّان الحلاق مساحةً صغيرة بحجم القلب، لكنها تتّسع لكل الحكايات. هناك، كان الناس يأتون ليحلقوا شعرهم، ويُفرغوا صدورهم من غبار الأيام.
فهل كان الحلاق في الزمن الجميل مجرد صاحب مهنة؟ أم كان رمزاً لعصرٍ يزيل الهمّ عن الوجوه قبل الشعر عن الرؤوس والذقون؟!
صديق الحيّ ومؤرّخ الوجوه
كان الحلاق يعرف الزبائن واحداً واحداً، يعرف من تزوّج، ومن سافر، ومن رُزق بمولود جديد...
كان كاتب الحيّ غير الرسمي، يوثّق التحوّلات بالحديث والابتسامة.
ومع كل مقصٍّ يُفتح ويغلق، كانت حكايةٌ تبدأ أو تنتهي.
كان الدكّان أشبه بمذياع حيّ لا ينطفئ، تُذاع منه أخبار الناس بلا ضجيج ولا مبالغة.
صالون الروح الشعبية
في الستينيات والسبعينيات، كانت دكاكين الحلاقين تشبه الجلسات العائلية؛ مرايا واسعة، كراسٍ دوّارة من الحديد، رائحة كولونيا خفيفة، وموسيقى فيروزية تأتي من راديو صغير...
كان المكان يعجّ بالضحك والجدال والنكات.
هناك تتلاقى الأجيال: الجدّ يتحدث عن الماضي، والشابّ يحلم بمستقبلٍ أجمل، والطفل يراقب المشهد بدهشة الطفولة.
رقصٌ على إيقاع الزمن
كان المقصّ يتحرك بخفةٍ كأنه يعزف على خصلات الشعر نغمة الحياة اليومية، والمكنة تصدح كآلة موسيقية تحفظ إيقاع الصداقة والحديث.
لم يكن الحلاق فناناً في قصّ الشعر فحسب، بل في بث الطمأنينة والراحة النفسية.
كان يخلق من الزبون لوحةً جديدة بلمساتٍ بسيطة، وكأن الجمال يومها يُصنع بالنية قبل الأدوات.
ناصحٌ اجتماعيّ
لا طبيبٌ شعبيّ
في جيل الستينيات والسبعينيات لم يعد الحلاق يقلع ضرساً أو يجري حجامةً كما في الماضي البعيد، بل صار ناصحاً اجتماعياً وصديقاً للأجيال.
كم من خلافٍ زال على مقعده الدوّار!
وكم من نصيحةٍ أنقذت علاقة أو فتحت باب صلح!
كان الحلاق طبيباً من نوعٍ آخر، يعالج الجراح الخفيّة بكلمةٍ صادقةٍ وابتسامةٍ دافئةٍ ومنديلٍ أبيض.
سجلّ الوجوه والزمن
كانت المرآة في صالون الحلاق أشبه بنافذةٍ على حيوات الناس؛ تعكس تعب العيون وبسمة الرضا، وتحتفظ في عمقها بصورٍ لا تُرى إلا بالقلب.
كم من وجهٍ مرّ أمامها يوماً! وكم من شابٍ غادرها رجلاً!
حتى تلك الخدوش الصغيرة على زجاجها، كانت كالتجاعيد على وجه الزمن الجميل نفسه.
بين الأمس واليوم
اليوم تغيّر المشهد تماماً؛ الحلاق صار "مصمم شعر"، والدكّان تحوّل إلى صالون فخمٍ تملؤه الإضاءة الحديثة والعطور العالمية. الأدوات متطورة، والكراسي كهربائية، والمرايا تلمع بلا خدوش.
لكن أين الدفء؟! أين الحوار الذي كان يملأ المكان؟!
لقد حلّت الحداثة محلّ الحميمية، وأصبح الجمال في الشكل أكثر منه في الشعور.
كان حلاق الأمس يزيّن الوجه بابتسامةٍ، وحلاق اليوم يزيّنه بخطّ ليزر متقن؛ ولكن هل يترك الأثر ذاته في الروح؟!
حنين المقصّ القديم وصوت المكنة العتيقة
كلما مررنا أمام دكّانٍ قديمٍ ما زال صامداً، وشممنا رائحة الكولونيا البسيطة، تسلّل إلينا الحنين كنسمةٍ من طفولةٍ بعيدة. نسمع طنين المكنة القديمة، فنهتزّ من الداخل، كأنها توقظ فينا ذاكرة الحلاقة الأولى قبل المدرسة، وضحكة الحلاق وهو يربّت على الكتف قائلاً: "صار الشاب رجلاً".
تلك اللحظات كانت من جمال الحياة البسيطة، من زمنٍ كان فيه الشعر يُقصّ، لا الذكريات.
خاتمة:
هل كان الحلاق في الزمن الجميل أجمل من حلاق اليوم؟
ربما لم يكن أجمل، بل كان أقرب.
الجمال ليس في الكرسي الفاخر، ولا في زجاج العطر المستورد... بل في قلبٍ يعرف كيف يُطمئن الزبون قبل أن يجمّل وجهه.
ذلك هو الجمال الحقيقي الذي نفتقده؛ جمال البساطة، جمال القرب، جمال إنسانٍ يُهندس الملامح بالكلمة الطيبة لا بالآلة الدقيقة.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح